عن مدونة نسيج

تهدف مدونة نسيج الى توفير مساحات تشاركيه تتسع لكل الاطياف المهتمة بكل ما هو جديد في مجال المكتبات والتعليم العالي والتعلم عن بعد وتقنيات المعلومات والاتصالات وتقنيات الأرشفة وحلول المعرفة المتقدمة في التعليم العالي، المكتبات، ومراكز الأبحاث.

سجل بريدك الالكتروني هنـا لتصلك أحدث المدونـات

أكاديمية نسـيج على الفيسبوك

 
 

إدارة المعرفة: المتاحف مؤسسات تنتج المعرفة وتدعم مهارات التعليم في القرن الحادي والعشرين

نُـشر بواسطة هيام حايك on 24/07/2016 09:59:04 ص

 FIAC-1.jpg

كيف يمكن للمتاحف - باعتبارها إحدى المؤسسات التعليمية الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين - أن تخلق مساهمات بناءة تصب في عملية التنمية الاجتماعية والثقافية؟

هذا هو السؤال والتحدي الذي يواجه القائمين على المتاحف في جميع أنحاء العالم، حيث أن مفهوم التعليم يشهد تغيرا ويتخذ محتوى جديدا. فهو يركز على كيفية الحصول على أدوات الإبحار في عالم معقد ومجتمع مُعَولَم. في القرن الحادي والعشرين أصبح التعليم لا يقتصر على الوعي الثقافي فحسب، ولكنه يشترط كذلك التخصيص والكفاءات المتعددة كالذكاء الاجتماعي، والمعرفة بوسائل الإعلام والقدرة على التواصل.

وانطلاقا من أن التعليم شرط أساسي لامتلاك القدرة على التعامل مع التحديات التي نواجهها كأفراد وكمجتمع، بدأت الكثير من المتاحف تتخذ إجراءات حاسمة على أرض الواقع لتهيئ نفسها للدور الذي يمكن أن تلعبه في المجتمعات المعاصرة، حيث أن الممارسات التعليمية في المتاحف تتعلق بالخبرة والوقت والفضاء، والوجود المادي. هذا إلى جانب أن التفاعل بين ما هو ملموس وما هو محسوس يؤطر مساحات جديدة للتعلم والتنوع والابتكار وفهم كيفية خلق المعرفة داخل المجال الثقافي المادي.

تعريفات وأراء وردت بشأن المتاحف كمؤسسة راعية للتعليم

  • تشير التعريفات المتعددة للمتاحف إلى كونها: "مؤسسة تربوية تعليمية ثقافية وترفيهية دائمة، غير ربحية، تعمل على خدمة المجتمع من خلال قيامها بجمع وحفظ وعرض وصيانة التراث الحضاري، التاريخي، الإنساني والطبيعي، كونه الجهة التي تقوم بجمع وصيانة تراث الإنسانية وتحافظ عليه وتعرضه بأساليب شيقة وممتعة." كما تشير الكثير من الأدبيات أن دور المتاحف هام للغاية على المستوى المجتمعي في زيادة الوعي بأهمية الحفاظ على تراثه، كما تمكن الأجيال القادمة من الاضطلاع على تاريخنا وتاريخ أجدادنا ”.

  • تعتبر منظمة المتاحف العالميةICOM-The International Council of Museums ، المتاحف بأنواعها المختلفة المكان الأمين الذي يحفظ فيه تراث البشرية الحضاري والفني والصناعي والطبيعي والتاريخي على مر العصور التاريخية المختلفة.

  • يعرف متحف إنديانابوليس للأطفال ICM المتحف بأنه "مؤسسة غير ربحية، دائمة في خدمة المجتمع وتنميته ومفتوحة للجمهور وتعمل أن تكتسب – تحافظ – تبحث - تتواصل وتعرض لأغراض الدراسة والتعليم والمتعة بالأدلة والإثباتات المادية لأجل الناس وبيئتهم"

  • تشير إدارة المتاحف بجامعة الملك عبد العزيز إلى أن المتحف الجامعي ما هو إلا مؤسسة علمية ومدرسة مفتوحة تبعث رسالة علمية حقيقة في شكل ثقافة عامة ومعرفية ومعلومات متخصصة تعرض معلومات وحقائق للمشاهدين بأسلوب سهل ومباشر أفضل من الإلقاء والتلقين والبحث في المراجع والكتب المختلفة

كما أن متحف "المستقبل" في إمارة دبي يجري العمل عليه ليكون البيئة الأفضل عالميا في مجال الابتكار على مستوى العالم، ويهدف لاختبار قدرات وحدود العقل البشري في تطوير حلول تنموية طويلة المدى للتحديات التي تواجه مدن المستقبل، وسيمثل عند الانتهاء منه في 2017 أكبر منصة لاختبار الأفكار وتطوير الحلول التقنية للتحديات في مجالات التعليم والصحة والمدن الذكية والنقل والطاقة. كما سيعمل المتحف على استقطاب الباحثين والمخترعين ومراكز الأبحاث والشركات والممولين تحت سقف واحد، وذلك بهدف توفير بيئة متكاملة لاختبار الأفكار وتطوير نماذج تطبيقية لها وتمويلها وتسويقها ضمن البيئة نفسها.

المتاحف كمؤسسات تعزز الديمقراطية

متحف ليفربول هو متحف المدينة الذي يعكس التحديات الناجمة عن عمليات التحضر والتطور التقني في العصر الحديث والذي يؤثر على الأنماط السلوكية للمواطنين. يوفر متحف ليفربول صورة مثالية لحقوق الإنسان من خلال الممارسات الثقافية والعلمية التي يتم تنفيذها مع المجتمع المحلي من الأطفال والشباب والأسر وكبار السن، كما أنه يعزز الاحترام المتبادل بين شرائح متنوعة اجتماعيا وعرقيا في المجتمع. البرامج والأنشطة التي تنفذها مكتبات المتحف تتناول حقوق الإنسان من خلال المناقشات والبرامج التي تحافظ على سياسة مفتوحة وشاملة تهدف إلى سد الفجوات بين الثقافات المتعددة في كل جانب من جوانب عملها، وذلك لإرساء ثقافة ديمقراطية في الجوهر تحترم وتصون التعددية الفكرية والسياسية والدينية وتنوع الأذواق الثقافية والفنية، وتنمي المواطنة القائمة على احتضان قيم المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية.

 

  المتاحف كمؤسسات منتجة للمعرفة

لطالما كانت المتاحف مؤسسات تتولى إدارة التراث المادي وغير المادي في إطار الفن والثقافة والتاريخ الطبيعي كغيرها من المؤسسات التعليمية. اليوم وأكثر من أي وقت سبق بدأت المتاحف تركز على تبادل المعرفة وإنتاجها في الأوساط المؤهلة والأوساط ذات الصلة. هذا التطور نتج عن النقلة النوعية في مستوى النقاشات التي تدور في إطار إعادة صياغة تعاريف ما نعتبره "المعرفة" وتشمل هذه المناقشة إعادة التفكير في أين وكيف يتم إنتاج المعرفة ونوعية وأهمية المعرفة. الفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو، على سبيل المثال، أشار إلى التمييز بين المثقفين المحترفين مثل العلماء والأدباء، والتي تعكس الحاجة للحصول على تعريف جديد للمعرفة يتضمن أيضا المعرفة غير الأكاديمية، والتي غالبا تنضج محليا.

عملية التغير المستمرة للمجتمعات تستوجب إعادة النظر في المتحف كمؤسسة لها دورها في المجتمع المعاصر. فالنقل السلطوي للمعرفة يطور انعكاسا متعدد الأوجه يسمح بجعل المتاحف فضاءات للمعرفة وبناء الخبرات والمعارف الجديدة؛ وبحيث لا يقتصر عمل المتاحف على تقديم الحقائق وحسب، ولكن تقديم خيارات مختلفة بطرق أكثر كفاءة.

المتاحف في القرن الحادي والعشرين لابد لها من إعادة التفكير في نفسها كمؤسسات تنتج المعرفة وتسهم في تسهيل تبادل المعرفة، وبالتالي تصبح مراكز المعرفة وبيئات التعلم التي تشكل إطارا للتعلم من منظور حياتي. الدور جديد للمتاحف يتطلب كفاءات مهنية جديدة وهذا يعني الإدراك الذاتي للمتاحف ككيان مؤسساتي يعبر عنه من خلال المؤسسة وموظفيها وقيامهم بتطوير أساليب مهنية جديدة ومحتوى جديد وحرصهم على الدخول في شراكات تعليمية مع مجموعات متنوعة من المواطنين والمؤسسات المختلفة في المجتمع.

 المتاحف والمكتبات ودورها في تعزيز التعلم في القرن الـ21؟

كيف لمعاقل وحراس التراث الثقافي مثل المتاحف والمكتبات تبني التعلم في القرن الـ21؟ أولئك الذين لم يزورا المتاحف والمكتبات الوطنية في الفترة الأخيرة لن يدركوا الصورة التي تدار بها مثل هذه الأماكن والأدوار والمهام التي يقوم بها الموظفون الذين يتولون مناصب قيادية وخاصة في الأمور المتعلقة بالقيادة وتعزيز التعاون، والتفكير النقدي والإبداع والابتكار، والتواصل خارج أسوار المتحف. كما ستفوتهم فرصة التعرف على الموظفين والمتطوعين المدربين الذين يعملون على توسيع معرفتهم بمواضيع القرن الـ21 مثل المعلومات ومحو الأمية المعلوماتية ووسائل الإعلام، ومحو الأمية البيئية، والصحة، والمشاركة المدنية، والوعي الثقافي العالمي ومحو الأمية المالية وكذلك مهارات وأساليب جمع المعلومات والفطنة والذكاء الافتراضي على شبكة الإنترنت. وربما لا يلاحظوا هذه القفزة النوعية التي أقدمت عليها المتاحف والمكتبات الوطنية مع تبنيها الخدمات التي تعزز مهارات القرن الـ21 والمجتمعات التعلمية من خلال دخولها في شراكة مع وكالات أخرى بما في ذلك المدارس والجامعات لتشكل المجال الحيوي الرئيس في إنتاج المعرفة بأنواعها المختلفة.

بالفعل ما يحدث اليوم داخل الكثير من المتاحف والمكتبات الوطنية بمثابة ثورة وانفتاح وحضور على المشهد الثقافي العالمي

 أثر التقنية على أداء المتاحف

مع بداية العقد الأول من هذا القرن، بذلت إدارة المتاحف الجهود لحشد قوة من الأدوات الرقمية ووسائل الإعلام الاجتماعية للانطلاق والتحليق فيما وراء جدرانها والوصول بخدماتها لمستخدمي شبكات الإنترنت وتقديم المحتوي المتعدد الأشكال وبما يتلاءم واحتياجاتهم السريعة التغير؛ فكانت هناك المعارض الافتراضية، والشبكات الاجتماعية والألعاب، والواقع المعزز. هذا بالإضافة إلى أن العديد من المتاحف والمكتبات قامت بمواءمة برامج التعليم التي تقدمها مع معايير الدولة الأساسية المتعارف عليها لتوفير فرص غنية لمشاركة الطلاب والتنمية المهنية للمعلمين. ومن أجل أن تواءم المكتبات والمتاحف الوطنية بين ما تقدمه وما يتماشى مع حاجة مجتمعاتهم لتعزيز مهارات القرن الـ21، كان لابد لها من اتخاذ ثلاث مسارات : القيادة، والدلائل والبراهين ، ونماذج البرامج الجديدة.

قيادة التحول

في وقت مبكر من 2008-2009 ، أنشأ معهد خدمات المتاحف والمكتبات (IMLS) فرقة عمل وطنية من قادة المكتبات والمتاحف . أوكلت لهم مهمة العمل على كتابة تقرير وإنشاء موقع على شبكة الإنترنت يركز على دور المتاحف والمكتبات الوطنية في إرساء مهارات التعلم في القرن الحادي والعشرين. وشددت هذه المبادرة على الدور الحاسم الذي يمكن أن تلعبه المتاحف والمكتبات الوطنية في مساعدة المواطنين، بمن فيهم الطلاب، وقد أصبح التقرير الأكثر مبيعا وحظي بتوزيع واسع في جميع أنحاء العالم. داومت IMLS على تحديث موقعها بانتظام وتغذيته بموارد جديدة، بما في ذلك مدونة الوظائف، ومقاطع الفيديو، ونماذج من المشاريع الناجحة.

في عام 2010-11، عقد معهد خدمات المتاحف والمكتبات (IMLS) سبعة لقاءات محلية لاستكشاف السبل التي تعزز من قيادة المتاحف والمكتبات على نطاق مجتمعي حيث وضع IMLS "مجموعة الأدوات المجتمعية" التي تدعم مهارات القرن الحادي والعشرين و تركز على المكتبات والمتاحف، كما أطلق شراكة رسمية مع مؤسسة جون وكاثرين ماك آرثر التي يمول تخطيط وتصميم 25 من مختبرات التعلم للشباب في المكتبات والمتاحف في جميع أنحاء البلاد. وهي مختبرات مبتكرة توفر المسارات الإرشادية والبيئات المادية والرقمية للشباب.

بناء الأدلة والبراهين
كلنا نعرف أن هناك الكثير من التحديات التي تواجه الإدارة الأكاديمية على مستوى المدرسة والجامعة في قياس مدى تحقيق نتائج التعليم وفق المعايير التي تم الإجماع على تحديدها كأسس لتقييم نجاح العملية التعليمية في القرن الحادي والعشرين والتي تعرف بالــ " " four Cs نظرا لأنها جميعها تبدأ بحرف C وهي: الاتصال Communication والمشاركة المدنية Civic Engagement والتفكير النقدي Critical Thinking والانخراط الثقافي والعالمي Cultural & Global Engagement.

 الأمر يصبح أكثر صعوبة عند محاولة قياس نتائج التعلم عندما يمارس في أماكن "غير رسمية" وخارج المدرسة أو الجامعة، حيث أن المكتبات والمتاحف خيار حر لبيئات التعلم مما يجعل من الصعب تنظيم لقاءات المشاركين أو تحديد مستويات المشاركة وتقديم أدلة على تحقيق التعلم الهادف والعميق. كما يمكن أن يكون الأمر أكثر صعوبة عند القيام بالربط بين الخبرات التي تمنحها المتاحف والمكتبات والتحصيل الدراسي. كما لا يجب أن يغيب عن بالنا أن المتاحف والمكتبات مطالبة بوضع هذه الدلائل والبراهين في تقاريرها الخاصة بكل مشروع ممول، حيث من الأهمية بمكان للموِّل الاطلاع على البراهين والأدلة التي تثبت تحقيق الأهداف التي تم وضعها للمشروع.

وضع البرامج في محك الممارسة
اختبار مدي فعالية البرامج والأنشطة التي تقدمها المتاحف والمكتبات الوطنية بوصفها مؤسسة مجتمعية توفر بيئة تعليمية تفاعلية تعمل على تطوير مهارات القرن الحادي والعشرين لشرائح متعددة في المجتمع لا يكتمل إلا بعد وضع هذه البرامج والأنشطة على محك التنفيذ الفعلي و تقييم المخرجات وقياس مدى تحقيقها لمعايير مخرجات التعليم في القرن الحادي والمتمثلة في الـ (four Cs) وهناك الكثير من الممارسات و الجهود الواضحة التي تبذلها المكتبات والمتاحف الوطنية الناجحة لتحقيق تعليم يتطابق ومعايير تعليم القرن الحادي والعشرين، والذي قد يعكسه مشروع شبكة ذاكرة ماين  Maine Memory Network الذي تم تأسيسه ليكون الذاكرة الرقمية لولاية ماين Maine في الولايات المتحدة، و يعمل المشروع على تحويل جميع المصادر التاريخية المهمة الموجودة داخل مستودعات المعلومات والأرشيفات في جميع أنحاء الدولة، بمشاركة الطلاب والمعلمين والمسؤولين والمدنيين وأفراد المجتمع إلي مواد رقمية لتكون أساسا لبناء معرض تاريخي على الإنترنت يمثل الذاكرة التاريخية لولاية "ماين". هذا العمل التشاركي الذي قاده متحف "ماين" هو انعكاس لعملية تعلم مجتمعية تعزز التعاون والتواصل والإبداع والتفكير النقدي.


في الختام .. الواضح من خلال هذا الطرح أن خدمات المتاحف والمكتبات الوطنية تشكل حجر الزاوية في التعليم غير الرسمي من خلال الاطلاع على تاريخ البلاد وإنجازاته الحضارية. من المهم أن نعرف أن مكتبات المتاحف توفر وتدعم الحصول على أشكال جديدة ومبتكرة من المنح الدراسة الرقمية ومنح التربية في مجال دراسة تاريخ الشعوب ، مما سيسهل فتح آفاق جديدة للحوار والنقاش مع مجموعة متنوعة من أمناء المكتبات وأعضاء هيئة التدريس و الطلاب وموظفي المتحف.