library management & Higher Education blog

عن مدونة نسيج

تهدف مدونة نسيج الى توفير مساحات تشاركيه تتسع لكل المتخصصين والمهتمين بكل ما هو جديد في مجال المكتبات والتعليم العالي والتعلم عن بعد وتقنيات المعلومات والاتصالات وتقنيات الأرشفة وحلول المعرفة المتقدمة في التعليم العالي، المكتبات، ومراكز الأبحاث.

سجل بريدك الالكتروني هنـا لتصلك أحدث التدوينات

أكاديمية نسـيج على الفيسبوك

 
 

مقــالات حديثة

المكتبات الأكاديمية ومفهوم المكان الثالث

نُـشر بواسطة هيام حايك on 22/07/2019 08:27:47 ص

5d2fa74d28364

المكان والناس علاقة معمقة ومؤثرة. فالمكان نفسه يكتسب هويته من ثقافة ساكنيه قبل أن يكتسبها من تضاريسه. فالارتباط بالمكان حالة إنسانية عامة تُشعر المرء بالانتماء لمجموعة ما، هو جزء منها؛ ويولد الانتماء والتجذر لدى الفرد شعوراً بالأمان مصحوبا برغبة كبيرة في التواصل والاستمرار. وفي هذا السياق يرى راي أولدنبورغ Ray Oldenburg، أن الشخص يحتاج إلى ثلاثة أماكن مختلفة وهامة: المنزل، العمل، ومكان ثالث غير محدد. فهو يرى أنه يجب على المنزل تحقيق الاسترخاء والراحة، بالإضافة إلى أن بيئة العمل لابد أن تكون بيئة محفزة، يكون فيها الشخص متحمسًا ومنتجًا، أما المكان الثالث، فهو مكان الراحة من الإجهاد، ويتمثل في الأماكن الأساسية للحياة العامة غير الرسمية أو ما يعرف بـ " Hangout " والتي تعني مكان الاستراحة؛ حيث يكثر الناس من التردد عليها. وقد أشار أولدنبورغ إلى أن "المكان الثالث" ضروري ومهم للمجتمع وكذلك للأفراد، لأنه يدعم الحياة اليومية النابضة بالحياة للسكان ويسهم في الحفاظ على الأمان والنظام والروابط الاجتماعية، وكذلك يعمل علي تأثيث العديد من المصالح الاجتماعية والشخصية. ولكن السؤال هنا ما هذا المكان؟ هل من الممكن أن تكون المكتبات هي المكان الثالث؟

تعريف "المكان الثالث"

المكان الثالث مصطلح صاغه عالم الاجتماع الأمريكي راي أولدنبورغ Ray Oldenburg في كتاب له بعنوان: The" Great Good Place “، والذي صدر عام 1990 وهو يعرف الأماكن الثالثة بأنها محيط اجتماعي محايد منفصل عن المنزل والعمل. في حقيقة الأمر، فقد قام راي أولدنبورغ بالبحث في واقع مكان التجمع العام غير الرسمي وأهميته، حيث يمكن للأفراد مقابلة أفراد مختلفين، والاسترخاء والاستمتاع بمشاركة بعضهم البعض.

ويصف أولدنبورغ الأماكن الثالثة، بأماكن تعزز بناء المجتمع. وهي الأماكن التي يشعر الأنسان فيها بالراحة وأنه مرحب به. أجواءها تشجع الناس على البقاء والعودة ومع تكرار الزيارات يصبح هو الوجهة المفضلة. توفر الأماكن الثالثة بنية فضفاضة وتفاعلية، يشعر فيها الأشخاص فعليًا بالتساوي، وهو المكان الذي لا يؤدي ببساطة إلى اختصار الأشخاص إلى عملاء. بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي إلى تطوير العلاقات بطريقة لا يحتمل حدوثها في مواضع أخرى. من الواضح أن كل تلك الخصائص تتوافق مع خصائص المكتبة. الجانب الذي سيتم تحليله في النقطة التالية.

حقائق وأسباب تجعل من المكتبة المكان الثالث

المكتبات، كما هو معروف، لها اليوم العديد من الأدوار والمسؤوليات المرتبطة بالمجتمع، وبشكل أكثر دقة فيما يتعلق بالطلاب وحياتهم الاجتماعية، حيث أصبح الاهتمام بتحويل المكتبات كمكان جذاب، ليكون المركز الثالث للطلاب أكثر وضوحاً داخل بيئة المكتبات. وبالرغم من سطوع نجم المكتبات الرقمية فمن الواضح أن المكتبة الأكاديمية لا تزال نشطة، وتتمتع بحضور قوي، حيث يتم تحسينها وتحديثها باستمرار، ليس من أجل تحقيق التوقعات الأكاديمية فحسب، بل والتوقعات الاجتماعية كذلك، والتي تتغير باستمرار في ظل التسارع متعدد الأوجه الذي يشهده العالم. وفي هذا السياق توفر المكتبة بيئة آمنة مناهضة للتسلسل الهرمي، والمواقف التفاعلية والاجتماعية الصعبة، من خلال هيكل بأخذ بعين الاعتبار الفروقات الفردية بين الأشخاص، وبما يشعرهم بالراحة في المكان.

المكتبات كمكان: ضرورة للبقاء

كان لابد من التشديد على مفهوم "المكتبة كمكان" بعد النقاشات الساخنة التي تناولت الموضوعات ذات العلاقة بالتطور السريع للإنترنت والتقنية مثل "الوصول مقابل المقتنيات" أو "الإنترنت مقابل المبنى"، وغيرها من الموضوعات التي اكتسحت مجتمع المكتبات مع بداية القرن الحالي، وحيث لايزال هناك الكثير من التخوف حول انتشار الأجهزة الرقمية وإمكانية أن تحل محل الكتب والمواد المطبوعة الأخرى.

العاملون في مجال المكتبات، وتحديداً، أولئك الذين يشعرون بالانتماء لأماكن عملهم، يدركون أن المكتبة أكثر من مجرد مجموعة الكتب الملقاة على الرفوف. ولكن وبالرغم من أن المكتبة تضيف قيمة إلى موارد المعلومات من خلال تنظيمها وإتاحتها، وتخدم مجموعات مميزة من أصحاب المصلحة، سواء مجتمعات المستخدمين المتكررين وغير الرسميين والمحتملين، إلا أنه نادراً ما تجتذب المواد الموجودة في المكتبات الأشخاص، وإنما الأفكار التي تحملها المواد، والهياكل المفهومية التي تدعم الوصول، ومجتمع أصحاب المصلحة الذين يستخدمون المكتبة.

 ونظرًا لأن الكتب وغيرها من مصادر المعلومات المادية والأفراد يشغلون المساحة المادية، فقد طورت المكتبات المباني والغرف والمساحات المتنقلة التي تلتقي فيها الكتب والمواد الأخرى مع الأشخاص. وضمن هذا المنظور تصبح المكتبات كأماكن تتعلق بالأفكار وحالات التواجد بقدر ما تتعلق بالفضاء المادي، ونقصد هنا أماكن مزاوجة الفضاء المادي مع الفضاء الفكري لربط الناس بالأفكار وبعضهم البعض.

اعتبارات تجعل من المكتبة الأكاديمية المكان الثالث للطلاب:

  1. التفاعلات بين الطلاب تحدث على أرض محايدة:

 يأتي الأفراد ويذهبون كما يحلو لهم، حيث لا يشترط على أي منهم لعب دور المضيف، مما يشعر الجميع هناك بالراحة وكأنهم في "المنزل المريح". هذا وتعتبر المكتبة الأكاديمية بالتأكيد مكاناً محايدًا في مجتمع الجامعة. لا يوجد أي تحيز، ولكن وجهات نظر محايدة وموضوعية في التعامل مع الطلاب والمجموعات.

  1. الجميع سواسية، فالمكتبات أماكن شاملة للجميع

الوصول إلى المكتبة متاح للطلاب جميعهم، ولا تُحدد معايير رسمية للعضوية والإقصاء، وبالتالي تعزز المكتبة توسيع الشبكات الاجتماعية حيث يتفاعل الناس مع آخرين لا يشكلون صلة قرابة أو زمالة لهم؛ تعتبر مكتبة الجامعة مكاناً متاحًا لجميع الطلاب وأعضاء هيئة التدريس وجميع العاملين في الجامعة. تقول إحدى طالبات علم المكتبات: أتساءل لماذا شعرت بمزيد من الإحساس بالألفة مع أستاذي عندما كنا في المكتبة. تمكنت من التحدث عن أي شيء قد أتردد في قوله في الفصل أو في غرفة التدريس. لقد استمتعت حقًا بالتحدث كثيرًا مع أستاذي في المكتبة. تخرجت هذه الطالبة منذ 4 سنوات، لكنها ما زالت تزور أستاذها في مكتبة الجامعة في بعض الأحيان.

  1. المكتبات المكان الذي يثمن قيمة الفرد

في المكتبة، يتعرض المستخدمون لتعددية المجتمع والتعرف على الآخر. لا يتم تصنيف الأشخاص حسب المهنة أو كونهم عاطلين عن العمل أو مريض أو عميل، ولكنهم جميعهم من مستخدمي المكتبة. هذه النوعية من المكتبة تسهم في الاندماج الاجتماعي. إلى جانب أنه في هذا المكان لا يتم إعطاء الأولوية لمجموعة على مجموعة أخرى، فأنت في مكانك الثالث، أنت لست الرئيس أو الموظف أو الوالد أو الطفل: الكل مرحب به دون تحيز.

  1. المكتبات تراعي أوقات الطلاب

غالبية المكتبات الأكاديمية اليوم، تعمل ساعات طويلة معظم الفصل الدراسي، وقد يمتد العمل فيها لساعات أطول خلال أوقات المراجعة والامتحان. القائمون على المكتبات يدركون حقيقة أن الطلاب لا يدرسون في ساعات العمل، ويؤجلون ذلك إلى ساعات متأخرة من اليوم، حيث لديهم وظائف بدوام جزئي غالبا ما تملأ أمسياتهم، وهم بحاجة لأن تكون المكتبات مفتوحة في وقت متأخر.

  1. المكتبة مكان يرحب بالقادمين الجدد

تعتبر المكتبة مصدرًا واسعًا للمعرفة، وموظفو المكتبة موجودون لمساعدة الطلاب في العثور على المعلومات التي يحتاجونها. وفي هذا الإطار، لابد أن يحرص موظفو المكتبة على جعل الطلاب الجدد يشعرون بمجرد دخولهم المكتبة أنهم يكتشفون مكاناً رائعاً، مما يعنى أنهم دائمًا منفتحون وودودون مع كل المستخدمين، بما في ذلك الوافدين الجدد، ويعملون على أن تحتفظ المكتبة بأجواء دافئة ومبهجة.

إعادة النظر في مفهوم المكتبة

إعادة النظر في مفهوم المكتبة كمكان ثالث، لا يعني أن المكتبة تفقد مكانتها في المجتمع بقدر ما نقول أن المكتبة تتغير وتنمو للحفاظ على مكانة مهمة في المجتمع. لقد انتقلنا بالمكتبة من مكان لجمع المعلومات (رفوف مغلقة، دراسة هادئة، مكاتب مرجعية، ومجموعات هائلة من المواد المطبوعة) لتصبح مكانًا مجتمعيا يرحب بالناس (مساحة أكبر، محادثة مفتوحة ،مكاتب خدمة، وجود وسائل التواصل الاجتماعي).

وهذا يتوجب بذل المزيد من الجهود التسويقية التي لابد منها على صعيد جمهور المكتبات العامة والأكاديمية، فالتسويق هو العمود الفقري لأي مشروع أو مؤسسة، مهما كان تخصصها أو مجال عملها. وعند الحديث عن تسويق المكتبات، لا ينبغي أن يكون مدير التسويق بمعزل عن أمين مكتبة و/ أو مدير المكتبة. والذي يحتك مباشرة بالطلاب؛ ما نطمح إليه وجود "مكتبة يحركها العملاء" فلا شيء أكثر أهمية من مجموعة من العملاء الراضين الذين يستخدمون المكتبة بأنفسهم، ويقومون بتشجيع الآخرين على فعل الشيء نفسه. وهذا هو التسويق الإبداعي الذي يعتمد على الكلمة والمديح، فالتسويق الشفهي أحد أهم التقنيات التسويقية المجانية وأكثرها فاعلية وتأثيرا على الإطلاق. رضا العملاء والكلام الذي ينشرونه حول مكتبتك هو الذي يجعل المكتبة على قيد الحياة. إن العلاقة التي لابد أن ننتهجها مع رعاتنا هي ما سيؤدي بهم إلى أن يصبحوا دعاة للمكتبة، ولن يتم هذا من خلال خدمة العملاء المعتادة. لذا يجب أن نرفع مستوى خدمتنا ليكون طلابنا سفراء لنا يحدثون الأخرين عنا، وهذا لن يحدث إلا إذا واصلنا تجاوز التوقعات التقليدية، وجعلنا من مكتباتنا المكان الثالث الذي يبحث عنه الأخرون للراحة وبناء العلاقات والاستفادة من المكان والأشخاص.