عن مدونة نسيج

تهدف مدونة نسيج الى توفير مساحات تشاركيه تتسع لكل المتخصصين والمهتمين بكل ما هو جديد في مجال المكتبات والتعليم العالي والتعلم عن بعد وتقنيات المعلومات والاتصالات وتقنيات الأرشفة وحلول المعرفة المتقدمة في التعليم العالي، المكتبات، ومراكز الأبحاث.

سجل بريدك الالكتروني هنـا لتصلك أحدث التدوينات

أكاديمية نسـيج على الفيسبوك

 
 

مقــالات حديثة

كيف تتم صناعة القرارات الأفضل في المكتبات ؟

نُـشر بواسطة هيام حايك on 06/09/2016 08:53:18 ص

content_16476141370755970.jpg

زار أحد القادة المشهورين على مستوى العالم أحد الفصول الدراسية لطلبة الماجستير في إدارة الأعمال ، وذلك رغبة من إدارة الجامعة في تعريف الطلاب على  نماذج قيادية ناجحة . في نهاية الحديث سأله أحد الطلاب: ما سر النجاح؟ الجواب كان عبارة عن كلمتين: "قرارات سليمة".  ومن ثم سأله طالب آخر:  "حسنا، كيف تتعلم اتخاذ القرارات السليمة؟" " الإجابة كانت هذه المرة من كلمة واحدة" الخبرة". عّقب طالب ثالث متسائلاً:  "و كيف يمكن الحصول على الخبرة؟"  أجابه وهو ينظر إلى وجوههم مبتسماً: " القرارات السيئة" !!!!

الجميع يتخذ القرارات، ولكن....

 يوميا يتعرض موظفي المكتبة للكثير من المواقف التي تتطلب اتخاذ القرارات بشأنها. أمين المكتبة في قسم الخدمات المرجعية Reference librarians  قد يقرر ما إذا كان يمكن السماح بــ "استخدام المكتبة فقط" عندما يرتفع حجم المواد المعارة لدى أحد المستخدمين. وكذلك  الأمر بالنسبة لأمين المكتبة في قسم الإعارة الذي قد يقرر ما إذا كان ينبغي رفع الغرامات على المتأخرين في عملية الإرجاع. غالبية هذه القرارات، وبالرغم من  أنها قد تساهم في تسهيل عمليات المكتبة يوما بعد يوم، إلا أنها في الغالب سوف يتم نسيانها  على الفور ولن يكون  لها أي تأثير على الاتجاه الاستراتيجي للمكتبة. في المقابل لا يمكن أن يقال نفس الشيء حيال القرارات التي يتخذها القادة في المكتبة. ففي الغالب جميع المهارات المرتبطة بالقيادة وصنع القرار هي مرئية أكثر عندما تصدر من قبل القادة والمدراء والتي تلعب دورا أكثر وضوحا في تشكيل الرأي حول قائد المكتبة من  قبل الجهات المعنية الداخلية والخارجية. القدرة على اتخاذ القرار الجيد هو أمر حاسم للقادة وهو  أصعب من المهارات التي لابد من إتقانها.

 ما بين اتخاذ القرار وصناعة القرار...

هنـاك خلط كـبـيـر بـين عـمليـة صنع القرار، وعملية اتخاذ القرار، العملية الأولى طـويلة صـعبة ومعـقـدة، والثانـية قصيرة سـهلة وأقل تـعـقـيـداً بـكـثـيـر مـن الأولـى ، صناعة القرار عادة يقوم بها كثيرون ، واتخاذ القرار يقوم به عادة عدد قليل أو فرد واحد . صناع  القرار  يكون أحد اهم مسئولياتهم تسويق القرار أو تسويغه ، لا يجاد نوع من الالتزام نحو القرار عبر الإقـناع بالقرار والدعاية له ، لخلق  علاقة أونظرة إيجابية تجاه القرار  تمهد له الطريق ليكون قيد التنفيذ ,, بالمجمل القادة هم من يصنعون القرارات ، فبعض القرارات الصائـبة تسـقط كلياً أو جزئيا بسبب هذا الخلط المتمثل في أن المدير أو المسـؤول يتصور أن مسؤوليته تـنحصـر فـي تقـرير ما يجب عمله ، ومن ثم إعـلان القـرار بكل بساطة .

نحن ندرك أن الكثير من مهام مدراء المكتبات  تتطلب اتخاذ قرارات، وندرك أيضاً أن البعض منهم يجد صعوبة في ذلك، وهذا طبيعي فالبشر بطبيعتهم ليسوا جيدين في هذا. السؤال المطروح هنا:  إذا كنت مدير المكتبة الذي يتخذ القرارات، كيف يمكنك الذهاب إلى القرار الأفضل؟ وكيف يمكنك أن تكون صانع القرار؟؟؟

 نحن جميعا نتخذ قرارات سيئة!!

منذ فترة طويلة اتخذت وجهات النظر حول صنع البشر للقرارات منحى تحليلي عقلاني وهو ما يعرف بالنموذج العقلاني التحليلي لصناعة القرار والذي يعتمد على  تحديد جميع البدائل الممكنة. بعد ذلك،  يتم  تحليل كل مزايا وعيوب كل خيار ممكن  كما وتفترض هذه النظرية  قدرة صانع القرار على تحديد المشكلة بوضوح، وعدم وجود تنازع في الأهداف، وأنه يعرف جميع الخيارات، ولديه ترتيب واضح للتفضيلات،  وبالتالي ستكون النتيجة النهائية لهذه العملية أن يكون القرار الأمثل. ولكن الأبحاث اللاحقة حطمت  أسطورة اتخاذ القرارات العقلانية التحليلية.

يشكك هربرت سيمون Herbert Simon في أن البشر لديهم القدرة على تحديد وتقييم الخيارات المتعددة بعقلانية، وبالتالي نراه يتساءل كيف يصنع المدراء القرارات إن كانت عقلانيتهم أمراً مشكوكاً فيه؟ فهو يري وحسب نظريته المعروفة " بالعقلانية المحدودة " Bounded Rationality أن صنع القرار لا ينطوي على البحث عن الحل الأمثل بل عن الحلول المرضية...

أمناء المكتبات الأكاديمية يلاحظون هذا  بين عدد  كبير من طلابهم والذين يظهرون تحليلي عقلاني  واضح عند البحث في استخدام موارد البحوث العلمية عالية الجودة للمكتبة، ولكن نظرا للسيطرة الرقمية  عليهم والتسويف،  يوجد دائما خيار واضح وإرضائي اسمه جوجل Google ، أو ويكيبيديا  لتصبح الورقة البحثية في النهاية عمليات قص ولصق مع اثنين أو ثلاثة من  الاستشهادات العلمية وجودهم ضرورة ومتطلباً  الزامياً.

وهناك النموذج  الحدسي لصناعة القرار: ويعرف القرار وفق النموذج الحدسي بأنه القرار المتأتي من القدرة على توحيد واستخدام المعلومات القادمة من كلي فصي الدماغ الايمن والأيسر . فهو قرار ناجم اذا من مزج الحقائق بالأحاسيس المتأتية من الانغماس الشخصي العميق بالموضوع قيد القرار .لو كان البشر يمتلكون حدس و غريزة معصومة من الخطأ سوف يكون لدينا جميعا فرصة لأن  نكون صناع قرار عظماء ، ولكن في واقع الأمر غرائزنا في أحسن الأحوال  تضللنا، وفي أسوأ الأحوال هي جزئية من أصل الخطأ. توضح نظرية الاحتمالية prospect theory أن البشر يحسون بالرهبة عند عملية الاختيار حتى بين عدد قليل من الخيارات والسبب الرئيسي لفشلنا في أخذ القرار، كما أظهرت الأبحاث، هو ميلنا لتجنب الخسائر بدلا من السعي لتحقيق المكاسب. الناس يميلون للتفكير في النتائج المحتملة المرتبطة عادة بنقطة مرجعية معينة (الوضع الراهن غالبًا) وليس بالوضع النهائي،. إضافة إلى أنهم لديهم مواقف خطر مختلفة تجاه المكاسب (النتائج فوق النقطة المرجعية) والخسائر (النتائج تحت النقطة المرجعية) ويهتمون عمومًا بالخسائر المحتملة أكثر من المكاسب المحتملة (تجنب الخسائر). وأخيرًا يميل الناس إلى الاهتمام بالأحداث بعيدة الاحتمال وإهمال الأحداث "العادية" .  . نظرية الاحتمالية  تساعد  على تفسير سبب تجاهل الأفكار الكبيرة التى تأتي من أجل التغيير، حيث غالبا ما تصاغ البدائل بطرق تزيد من احتمالات الرفض والتخوف  و النفور بدلا من تعزيز المخاطر مع المكاسب المحتملة ، لننظر في  الصياغة التالية، "إذا كنا لا تضيف بعض الألعاب إلى مجموعتنا فإن  جميع المواطنين الرقميين سوف يتوقون عن القدوم  إلى المكتبة "بدلا من" وإذا أضفنا الألعاب إلى مجموعتنا فلابد أن نفكر  في جميع الطلاب الجدد الذين سوف يأتون إلى المكتبة ) .

نموذج وهم الانتباه

إذا كنت تتبع أبحاث عالم الاقتصاد السلوكي دان أريلي  Dan Ariely، مؤلف كتاب لاعقلانية متوقعة ، فسوف تدرك أن  طريقة صياغة القرارات يمكن أن يحدث تغييرا جذريا في النتائج. .  كما يؤكد دان أريلي أننا سنتخذ قرارات خاطئة  مهما حاولنا ان لا نفعل ذلك  لأننا لانملك السيطرة على قراراتنا كما نعتقد حيث عمليات التفكير التي نقوم بها متوقعة لا وبل من السهل التلاعب بها. 

وسوف يتعزز لديك قناعة بهذا لو كنت قد  قرأت  كتاب : الغوريلا الغير مرئية والذي يوضح كيف يمكن للعقل البشرى بتركيزه على شىء مُعين أن يُغيب عن رؤية أشياء ظاهرة أمامه٠ إذا كان هناك حتى ادنى قليلا من الإلهاء

هذا الكتاب يوضح فعلا أن عقولنا لا تعمل بالطريقة التي نعتقد أنها تفعل لأنه على الرغم من أننا نعتقد أننا نرى أنفسنا والعالم كما في الواقع.  عقل الإنسان لديه مخزون محدود من الانتباه فلا يستطيع أن يركز في أكثر من شيء في الوقت نفسه ولذلك لا تستطيع ذاكرته تخزين كل ما ينظر إليه كما تفعل كاميرة الفيديو، بل إنه لا يرى كل ما ينظر إليه بعينيه كما تم إثباته من تجربة الغوريلا.  ولهذا السبب قد يكون هناك شخصان ينظرون لنفس الحدث ولكن كل واحد منهم يشاهد أشياء مختلفة عن الآخر.. كيف  بمكننا ان نكون صناع  قرار قادرين على تحليل البيانات والمعلومات التى تؤسس لاتخاذ القرار اذا كنا نستطيع الالتفات بالكاد إلى جميع المعلومات اللازمة لاتخاذ القرارات السليمة؟

كيف تتم صياغة القرارات الأفضل

إذا  كانت معظم الأبحاث تؤكد أن  العديد ممن يتولون مناصب قيادية في المؤسسات بشكل عام والمكتبات بشكل خاص يفتقرون  لمهارات صنع القرار، ما فما المطلوب من أجل تحسين قدرتهم على  القيادة وصنع القرار؟

منطقيا ,, أفضل خطوة للبدء هي من خلال الحصول على فهم أفضل لطريقتك في صنع القرار، ومن ثم  التفكير في أسلوب اتخاذ القرار من منظور  تكاملي  يعتمد على البيانات والتحليل من جهة ويعتمد على الحدس والبديهة في نفس الوقت . أيا من هذه الأساليب من المرجح أن تؤدي إلى اتخاذ القرار الجيد عندما تتخذ موقعك في المنظور التكاملي بوصفك  المشكك المستنير، الذي لا يأخذ الأمور على علاتها بل يضعها على محمل الفحص والتدقيق فالبيانات الجيدة لا تضمن القرارات الجيدة وهي غير كافية لاتخاذ قرار جيد، ولكن  هذا لا يعني الاعتماد على النهج الحدسي. فأنت تحتاج إلى استخدام مزيج من الاثنين معا.

الا أن نهج التشكيك قد يحدث أحيانا بعض الاضطرابات في عملية صنع القرار,, مما يعنى أن كل النماذج السابقة لا تمنحنا الحصانة ضد القرارات السيئة  ولا تجنبنا الوقوع في الفخاخ التالية:

  • التأطير الضيق  الذي يجعلنا نعتقد أن لدينا فقط واحد أو اثنين من الخيارات، عندما يكون لدينا حقا الكثير.

  •  التحيز الذي  يقودنا للبحث عن المعلومات الداعمة لما  لدينا من دوافع ومصالح ذاتية. (نعم، لديك دوافع ذاتية.) فنحن جميعنا بشر ومهما حاولنا أن نكون موضوعيين تجدنا في بعض الأحيان نتحيز لمصالحنا الخاصة بقصد أو بدون قصد. )

  • مشاعرنا  التي تقودنا إلى القرارات التي قد لا تكون أفضل على المدى الطويل.

  • الثقة المفرطة التي  تقودنا إلى الاعتقاد أننا نعرف النتيجة قبل أن يحدث.

 كل واحد منا معرض للوقوع في نفس الفخاخ العقلية عندما نواجه أمور تتطلب أخذ القرار. انها الطبيعة البشرية، لذلك لا ينتابك شعور  سيء عندما تقرأ هذه . نحن جميعا في نفس القارب. ولكن لا تخف! حتما هناك  طرق  لتجنب سوء عملية صنع القرار.  والتي قد يكون منها ما يلى: 

  • وسع دائرة الخيارات - الأمر لا يقف حيال أنك وجدت خيارات أو أنك لا تجد . اسأل صديقا لمساعدتك على معرفة الخيارات المختلفة.

  • قم بطرح سؤال بسيط مع كل تحدي يتطلب  قرار: "أي خيار الذهاب إليه يضيف قيمة أكبر وخدمة لي أفضل مع مرور الوقت". ليس كل قراراتك متساوون. فوض تلك التي يمكن للآخرين  القيام بها , وركز طاقتك ووقتك  وقتك على التعامل مع تلك الأكثر صعوبة  ولكن لديك قدرة أكبر قدرة على أن تؤديها بشكل  يؤدي إلى تغيير جوهري.

  • الاختبار الواقعي للافتراضات الخاصة بك - إجراء تجارب صغيرة إذا كنت تستطيع. طرح الأسئلة غير المريحة وليس الأسئلة التي أنت متأكد منها .

  • استبدل المواقع - اسأل نفسك، "بماذا أنصح أفضل صديق  لو سألني بخصوص هذا الأمر؟" فعند الوقوف خارج الدائرة الخاصة بك في كثير من الأحيان سوف تحصل  على منظور أفضل حول ما ينبغي القيام به.

  • الاستعداد لأن تكون مخطئا – فكر في كل من النتائج الجيدة والسيئة قبل أن تقرر لديك.

 

وأخيرا,,,,

أفضل القرارات ناتجة عن القادة الذين  اتخذوا قرار فعل الشيء الصحيح وليس ما هو أكثر سهولة أو أكثر راحة.