library management & Higher Education blog

عن مدونة نسيج

تهدف مدونة نسيج الى توفير مساحات تشاركيه تتسع لكل المتخصصين والمهتمين بكل ما هو جديد في مجال المكتبات والتعليم العالي والتعلم عن بعد وتقنيات المعلومات والاتصالات وتقنيات الأرشفة وحلول المعرفة المتقدمة في التعليم العالي، المكتبات، ومراكز الأبحاث.

سجل بريدك الالكتروني هنـا لتصلك أحدث التدوينات

أكاديمية نسـيج على الفيسبوك

 
 

مقــالات حديثة

مكتبات المستقبل: ما بين التشكيل المعماري واتجاهات القراءة في العصر الرقمي

نُـشر بواسطة هيام حايك on 02/08/2015 10:43:00 ص

iei-banner-aboutus

مما لا شك فيه أن القرن العشرين هو العصر الذهبي للمكتبات ... الآلاف من الكتب تزاحمت على رفوف المكتبات. هذا التكدس للكتب كان يمثل فرصة ذهبية لشركة Snead Bookshelf Company بولاية كنتاكي، والتي وضعت نظاما جديدا من الرفوف متعددة الطوابق لاستيعاب الكم الهائل من الكتب المتراصة على رفوف المكتبات. تبنت العديد من المكتبات الشهيرة هذا النظام من الرفوف، مثل مكتبة جامعة هارفارد وجامعة كولومبيا ومكتبة الفاتيكان ومكتبة نيويورك العامة. اعتمد هذا النظام على العديد من الأعمدة الضخمة المترابطة والتي تحمل رفوف الكتب. المعضلة الرئيسية كانت تتمثل في انهيار الكتب الذي يحدث عندما تقوم بإزالة بعض الرفوف.

المحاولة الأخيرة كانت من قبل مكتبة نيويورك العامة للتخلص من أكوام الكتب في فرعها الرئيسي ونقلها إلى نيو جيرسي. انتاب الكثيرون القلق حيال الانهيار الذي سيحدث لهذه الأكوام من الكتب المكدسة على الرفوف.." حيث كانت تتطلع المكتبة إلى إيجاد مكان تخزن فيه الكتب وفي نفس الوقت كانت تتطلع إلى توفير مرافق وفضاءات موجهة نحو خدمات أكثر انفتاحا مع عدد أقل بكثير من الكتب. وصف المهندسون فكرة إزالة الرفوف التي تدعم غرفة القراءة بقطع ساقَي الطاولة بينما يتم تقديم وجبة العشاء.

يعتبر قرار مكتبة نيويورك ورغبتها في التخلص من الكتب علامة فارقة في خلق أزمة الهوية للمكتبات والتي بدأت تتطور بسرعة في القرن الحادي والعشرين. في القرن الماضي كان من غير الممكن تصور مكتبة بدون العديد من الرفوف المتراصة، إلا أننا اليوم نقف في نقطة التحول فما كان يصلح بالأمس لم يعد يتناسب اليوم. الكثير من المكتبات تجد نفسها اليوم على حافة الهاوية مع تفجر العصر الرقمي. وترتفع التساؤلات حول ماهية المكتبات، وكيف تكون المكتبة إذا لم تكن مستودعا للكتب ومحطة لتداولها؟؟؟ وكيف يمكنها البقاء على قيد الحياة إذا بدأنا بجز هذه الرفوف من داخل المكتبة وتحويلها إلى فضاءات مفتوحة؟

السنوات الأخيرة لم تكن سهلة بالنسبة للمكتبات العامة. فقد سجل عام 2012 وللسنة الثالثة على التوالي انخفاضا في التمويل المخصص للمكتبات. في عام 2009، كانت ولاية بنسلفانيا، والتي تعتبر حجر الزاوية في نظام مكتبات كارنيجي القديم، قد صوتت ضمن 15 صوتا في مجلس الشيوخ على إغلاق المكتبة العامة في فيلادلفيا كما أنه تم في عام 2012 إغلاق 200 من المكتبات العامة في المملكة المتحدة وحدها.

عصرنا ليس هو المرة الأولى التي ندير فيها ظهرنا للمكتبات. لطالما تباهت الإمبراطورية الرومانية بالنظام الغير الرسمي للمكتبات العامة، الذي امتد من إسبانيا إلى الشرق الأوسط، والذي انقرض واختفى مع بدايات العصور الوسطى. تناول ماثيو بتلز Matthew Battles في كتاب له بعنوان" المكتبات: تاريخ مضطرب" هذه الكوارث التي تتعرض لها المكتبات وقد أطلق على ظاهرة تدمير المكتبات اسم Biblioclasm والذي يعنى الفعل التدميري والذي يتم غالبا بحق الكتب والمواد المكتوبة.

الصورة الأكثر تمثيلا لعمليات الـ biblioclasm هي إحراق مكتبة الإسكندرية، والتي جمعت أكبر عدد من المخطوطات اليونانية على الإطلاق، والتي تم فقدانه في مراحل زمنية متعددة. العديد من المكتبات احترقت على مدي التاريخ مما تسبب في خسارة الكثير للحضارة، إلا أن النار ذريعة تحجب حقيقة انخفاض الاهتمام بالكتب والمكتبات، فالنيران التي أسقطت المكتبات قديما تم تغذيتها من قبل رجل واحد أو مجموعة، ولكن رياح عادات القراءة تغيرت بفعل التاريخ والسياسية وتراجع الدولة الإدارية.

العصر الرقمي يكرس تراجع أداء المكتبات:

هل سوف يغذي العصر الرقمي وجود حقبة أخرى من التراجع في أداء المكتبات؟ فأصغر جهاز مع مستعرض ويب يستطيع الآن الوصول إلى مستودعات المعرفة الواسعة والمتنوعة بما يكفي لمنافسة أكبر وأضخم مكتبة من الممكن أن يكون بناءها وتجهيزها قد تكلف العديد من السنين والكثير من الأموال، ففي عام 1888، بدأ رجل الصناعة الأسكتلندي الأمريكي أندرو كارنجي بإنشاء مكتبة عامة في بنسلفانيا، ومن ثم بدأ في إنشاء المزيد من المكتبات. أنفق كارنجي ما يقرب من 56 مليون دولار أمريكي لإنشاء ما يقرب من 2500 مكتبة في العالم الناطق بالإنجليزية. وعلى الرغم من أن الأذواق والتصميمات قد تغيرت، لاتزال مكتبات جامعة كارنجي تحتفظ ببعض العناصر الجمالية لمعمارية المكتبة القديمة. فالمكتبة تمثل نصبا تذكاريا ضخما يأخذ القارئ في رحلة جميلة وطويلة ابتداء من وضع قدمه على الدرج وحتى الوصول إلى قاعات القراءة، قاعات ضخمة تعج بالكتب والمقاعد والأثاث، مساحات ضخمة ورفوف مفتوحة تشجع على التصفح العشوائي... في فترة ما كانت مكتبات كارنجي تعكس ما يسميه عالم الاجتماع راي أولدنبورغ بالقطب الثالث " third placer " المكمل للعمل والمنزل، حيث المكتبة تقدم مساحة في متناول الجميع وحيث هناك مواطنون أحرار في التجمع والتآخي دون الشعور بمضيعة الوقت.

لا يزال من الممكن رؤية العديد من هذه التصاميم في العديد من المكتبات الحديثة، بالرغم من ميل الكثير إلى بناء نماذج من المكتبات شبيهة بمعمارية القطاع تجاري ومحلات الوول مارت. بالرغم من القيمة الجمالية لمعمارية مكتبات كارنجي، فمن الطبيعي أن يكون الغرض الأساسي من مكتبات كارنجي الوصول إلى "الكنوز الثمينة من المعرفة"، ومع ذلك، قد يكون الاتصال بالإنترنت وربما برنامج جيد لإعارة الكتاب الإلكتروني سيكون كافيا للوصول إلى الكنوز الثمينة من المعرفة. بالفعل، ثلاثة أرباع الأميركيين يستطيعون الوصول إلى الإنترنت من المنزل، ومع تزايد الأجهزة المحمولة يرتفع الوصول بشكل مطرد، وبخاصة بين الشباب الذين تصبح مهمة جذبهم للمكتبات في غاية الصعوبة.

حلول إبداعية يتطلبها العصر الرقمي

يقوم أمناء المكتبات بتجريب العديد من السبل لجذب القراء إلى المكتبات من جديد. العديد من المكبات فتحت ورش الإنتاج الإبداعية والتي تسمى "maker spaces" داخل المكتبات وفي المرافق والمناطق التي تم تطهيرها من رفوف الكتب. وأصبحت المكتبة جامعة للتقنيات القديمة والجديدة، من آلات الخياطة إلى الطابعات 3-D، وبدأت في رعاية وتشجيع وتطوير وتقاسم المهارات التي لا يمكن أن تمارس عبر الإنترنت. 

ينظر البعض بارتياب إلى الدور الجديد للمكتبات ويخشى الكثير من أن تتحول المكتبة إلى ناد اجتماعي حيث كتب أقل وحيث تزداد أعداد المهووسين بالآلات والأدوات، فهل سوف يصبح الشكل الأكثر للمكتبات "مكتبة بلا كتب" وخاصة بعد وجود تجارب حالية لمثل هذا النوع من المكتبات !!!

المكتبة كحاضنة للمشروعات الفنية:

يسلط مشروع المكتبة كحاضنة الضوء على برامج المكتبة في جميع أنحاء البلاد، كما يعمل على نشر الفن، في كثير من الأحيان في المجتمع المحلي. وتشمل بعض من هذه المشاريع: مشروع الموسيقى المحلية في المكتبة العامة في ولاية آيوا الامريكية، حيث تستأجر المكتبات التسجيلات من الفنانين المحليين وتقدمها مجانا على الإنترنت لحاملي البطاقات مجانا، وهناك مشروع اسكتشات فنية Sketchbook Project, في مكتبة بروكلين للفنون يعرضون فيها أعمال كل من الفنانين المحترفين والهواة في جميع أنحاء البلاد من خلال المكتبة المتنقلة.

من المهم هنا أن يدرك المتخوفون من تحول المكتبات إلى ناد اجتماعي أن كل من مشاريع الحاضنات الفنية وورشات الإنتاج الإبداعية تحتاج إلي مكتبة تحتضنها وترعاها من أجل إنتاج المحتوى الخاص بها، وفي هذا السياق، بدأت بعض المكتبات الغنية باستضافة النشر الذاتي وتقنيات الطباعة حسب الطلب مثل خدمات Espresso Book Machine وهي ماكينة تشبه الطابعة التي تستعمل في المكاتب ويمكنها أن تطبع الكتاب في أقل من 5 دقائق، وقد كانت قد أطلقت لأول مرة في لندن عام 2009. تعتبر هذه الطابعة نقلة نوعية في عالم الطباعة منذ اختراع غوتنبورغ للطابعة الورقية منذ 500 عام..

التكنولوجيا خيار تكاملي:

تتسابق المكتبات العامة التي تعاني من ضائقة مالية في الانخراط في العصر الرقمي واستخدام التقنية لتقديم الخدمات ودون تكلف نفقات البناء أو التجديد، إلا أن هناك عدد قليل من المباني الجديدة والجريئة، مثل James B. Hunt, Jr. Library في جامعة ولاية كارولينا الشمالية، تكرس وعلى نطاق واسع حقيقة أن الجامعات سوف تكون دائما مكانا للمكتبات حيث مكاتب الخدمة، ومساحات التعاون، ونقاط وصول إلى التقنية.

تم الانتهاء من James B. Hunt, Jr. Library في أوائل عام 2013، حيث يتم تخزين الغالبية العظمى من مجموعات الكتب في صناديق معدنية يمكن الوصول إليها من قبل الروبوتات واحضار الكتب. هذه العملية تستخدم أنظمة مماثلة تستخدمها الشركات التجارية في مراكز التوزيع. الروبوتات تعمل 24 ساعة في اليوم، ويمكن الحصول على الكتاب من خلال أوامر من جهاز كمبيوتر أو جهاز محمول خلال 4:58 دقيقة، الروبوتات أصبحت نقطة جذب مثلها مثل المتحف والتي تجذب الصغار قبل الكبار.

المختبرات البصرية لمكتبة Hunt’ تسمح للطلاب والأساتذة تبادل شاشات MicroTiles للتعاون في المشاريع المعقدة التي تتطلب النظر في الصور المتعددة، والوثائق وأشرطة الفيديو، أو مواقع الإنترنت جنبا إلى جنب. جذبت هذه المختبرات انتباه الفصول الجامعية التي تقدم تدريبا يعتمد على المحاكاة وصناعة ألعاب الفيديو, مما ساعد على تشكيل نوع من التعاون البحثي الجديد بين المكتبة و الأساتذة في الحرم الجامعي.

أجهزة الكمبيوتر في المكتبة في غاية الأهمية لشريحة كبيرة من القراء الفقراء وكبار السن الناس لا يمكن لهم الوصول إلى الإنترنت من المنزل أو خلال جهاز محمول.

المحافظة على مؤسسات المكتبات

في هذه الأيام، يتطلب الحفاظ على المكتبات رعاية خاصة سواء على مستوى المشاركة المالية أو المدنية. وإذا كان الناس يريدون التقنيات الناشئة أكثر مما يريدون الكتب فلابد للمكتبات من الاستجابة لذلك، حتى لو كان ذلك يعني إغلاق المكان والانتقال كليا على الإنترنت.

يعتقد Matthew Battles من جامعة هارفارد أن مستقبل المكتبات يجب أن لا يقرر من خلال علماء أو أمناء مكتبات يحنون إلى الماضي على أمل إنقاذ وظائفهم، ولكن قرار وجود المكتبات والوضعية التي يجب أن تكون عليها لابد أن يتم إقراره من خلال محادثات مع المجتمعات المحلية. "أمناء المكتبات والباحثين وصناع القرار يجب أن يكونوا جزءا من هذا الحوار، ولكن هنا لابد من احتضان سياق المدنية، وليس السياق المؤسسي. المكتبات لا يمكن أن تبقى متواجدة إلا في حال كانت المجتمعات التي تخدمها تريدها وتحتاج لها.