مع نهاية كل عام، حين تُراجَع الميزانيات وتُحدَّد الأولويات، يجد مدير المكتبة الجامعية نفسه أمام نفس الأرقام: عدد المجلدات، وعدد قواعد البيانات، وعدد الزيارات الشهرية. أرقام مألوفة، لكنها تجيب على سؤال واحد فقط، يتمثل في: ماذا نملك؟
بينما السؤال الأجدر بالتوقف امامه هو: ما الذي يتغير بوجودنا؟
ليس هذا نقداً لما هو قائم، بل دعوة للتأمل. فالمكتبات الجامعية التي تنجح في المرحلة القادمة لن تكون بالضرورة الأكبر حجماً أو الأوسع مجموعةً، بل تلك التي تعرف بصدق متى وأين تقف، وما الذي تحتاج إلى تطويره.
ثمانية أسئلة تساعدك على رؤية مكتبتك بعيون جديدة.
1. هل تقيس مكتبتك الأثر أم الحجم؟
في مسح Ithaka S+R لقادة المكتبات الأكاديمية عام 2025، وجدت نتيجة لافتة: فقط 38% من مديري المكتبات صنّفوا "تقديم الإرشاد حول مقاييس أثر البحث العلمي" كأولوية عالية، بينما غالبيتهم يتعاملون مع أرقام الحجم والاستخدام كمؤشرات النجاح الرئيسة.
هذا يعني أن معظم المكتبات الجامعية تجيد قياس ما تملكه، لكنها تجد صعوبة في قياس ما تُحدثه. عدد المجلدات والاشتراكات والزيارات، هي أرقام مهمة، لكنها تجيب على سؤال "ماذا نملك؟" لا على سؤال "ماذا يتغير بوجودنا؟"
الأثر الحقيقي يُقاس بأسئلة مختلفة: هل يجد الباحث ما يحتاجه في المرة الأولى؟ هل ترتفع جودة الأبحاث المنشورة حين تكون المكتبة شريكاً فعلياً؟ هل يعود الطالب إليها لأنها أفادته، لا لأنها الخيار الوحيد؟
المكتبة التي لا تعرف إجابات هذه الأسئلة لا تعرف قيمتها الحقيقية، وبالتالي لا تستطيع أن تطوّرها.
2. هل أمناء مكتبتك مستعدون لعصر الذكاء الاصطناعي؟
قد تبدو الإجابة عن هذا السؤال بديهية، لكن الأرقام تقول شيئاً مختلفاً.
كشف مسح Pulse of the Library 2024 أن أكثر من 60% من المكتبات الأكاديمية كانت تخطط لدمج الذكاء الاصطناعي في خدماتها، لكن المسح نفسه كشف أن كثيراً من أمناء المكتبات يشعرون بأنهم غير مستعدين للتعامل مع تعقيداته. وفي دراسة أكاديمية شملت 760 موظفاً في مكتبات جامعية، ظهرت فجوات واضحة في الخبرة العملية بأدوات الذكاء الاصطناعي وفي القدرة على مناقشة تداعياته الأخلاقية.
المفارقة أن المكتبة يُطلب منها اليوم أن تُرشد الطلاب والباحثين نحو استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بمسؤولية، بينما فريقها نفسه لا يزال في طور التعلم.
هذا لا يعني أن أمين المكتبة قاصر. بل يعني أن المؤسسة لم تستثمر بعد في تأهيله بالجدية الكافية. وهناك فارق كبير بين الاثنين. المكتبة التي تمتلك منصات ذكية لكن لا تمتلك أمناء قادرين على توظيفها ستحصل على تقنية بلا أثر.
السؤال ليس "هل يعرف فريقك ما المقصود بالذكاء الاصطناعي؟" بل "هل يستطيع توظيفه فعلاً في خدمة الباحث؟"
3. هل تعمل مكتبتك بشكل متكامل مع بقية أنظمة الجامعة أم بمعزل عنها؟
حين يفتح الطالب منصة التعلم ويجد روابط المكتبة مدمجة مباشرة في مقرره، لا يحتاج أن يغادر البيئة التي يعمل فيها للوصول إلى مصادر بحثية. هذا ما يعنيه التكامل حين يُترجَم إلى تجربة حقيقية لا مجرد بنية تقنية.
لكن الواقع في كثير من الجامعات مختلف. المكتبة تعمل بنظامها، ومنصة التعلم بنظامها، ونظام إدارة البحث العلمي بنظامه، وكل منها يعيش في جزيرته المنعزلة. الطالب يتنقل بينها، والباحث يُعيد إدخال بياناته أكثر من مرة، والإداري يُعِدّ تقارير منفصلة لكل منصة.
دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة Library Hi Tech بيّنت أن الجامعات التي نجحت في بناء أنظمة معلوماتية بحثية متكاملة، تجمع بين المكتبة ومنصات التعلم وإدارة البحث العلمي، حققت تحسناً ملموساً في جودة إدارة المعرفة المؤسسية وخفّضت العبء الإداري على الباحثين.
التكامل لا يعني فقط ربط الأنظمة تقنياً. يعني أن تجربة الباحث والطالب وأمين المكتبة تسير في منظومة واحدة، لا في مسارات متوازية لا تلتقي. والمكتبة التي لا تزال منفصلة عن هذه المنظومة تُضيّق دورها بنفسها.
4. هل يصل باحثوك فعلاً إلى ما يحتاجونه؟
امتلاك المصدر شيء، وإيصاله إلى الباحث في اللحظة التي يحتاجه فيها شيء مختلف تماماً.
تقرير ACRL Top Trends in Academic Libraries 2026 كشف عن أن الباحثين في كثير من الأحيان لا يعرفون بوجود خدمات المكتبة أصلاً، أو يُقلّلون من قيمتها لأنهم لا يفهمون ما تقدمه، حتى حين تكون هذه الخدمات موجودة ومتاحة. الفجوة ليست دائماً في الموارد، بل أحياناً في الوصول إليها ومدى وضوح عملية الوصول هذه.
الباحث الذي يلجأ إلى Google Scholar أو أدوات الذكاء الاصطناعي قبل أن يفكر في مكتبة جامعته لا يفعل ذلك لأنها أفضل بالضرورة، بل لأنها أسهل وأسرع وصولاً. وحين يصبح "السهل" هو المعيار، فإن المكتبة التي لا تُعيد تصميم تجربة الوصول إليها تخسر جمهورها تدريجياً دون أن تشعر.
الإتاحة الحقيقية لا تُقاس بعدد قواعد البيانات المشترك فيها، بل بعدد المرات التي وجد فيها الباحث ما يحتاجه في تلك القواعد، دون أن يضطر إلى المرور بعقبات تقنية أو إدارية أو معلوماتية لتحقيق هذا الوصول.
5. هل مكتبتك في قلب استراتيجية الجامعة أم على هامشها؟
الإجابة الصادقة عن هذا السؤال لا تأتي من وثيقة الاستراتيجية المكتوبة ، بل من سؤال واحد بسيط: هل يُستشار مدير المكتبة حين تُتخذ قرارات مؤسسية كبرى؟
مسح Ithaka S+R لقادة المكتبات الأكاديمية 2025 كشف أرقاماً لافتة: 31% فقط من مديري المكتبات يشعرون بأنه يتم إشاركهم في عمليات صنع القرار على مستوى الجامعة، و24% فقط يرون أن الإدارة العليا تُشاركهم نفس الرؤية للمكتبة. بمعنى آخر ، ثلاثة أرباع مديري المكتبات يعملون في مؤسسات لا ترى المكتبة بالطريقة التي يرونها بها.
وإن كانت هذه الأرقام تعكس واقع المكتبات الأمريكية، فإن المشهد في المنطقة العربية لا يختلف كثيراً — بل ربما يكون الفارق أوضح في ظل غياب مسوح مماثلة تقيس الموقع المؤسسي للمكتبة الجامعية العربية بدقة. فحين لا تُقاس المشكلة لا تُرى — وحين لا تُرى لا تُعالج.
هذه ليست أرقاماً عن الرضا الوظيفي. هي أرقام عن الموقع المؤسسي. فالمكتبة التي لا تجلس على طاولة القرار تُعامَل كمرفق خدمي لا كشريك استراتيجي — وهذا ينعكس مباشرة على الميزانية والأولوية والأثر.
الموقع المؤسسي لا يُمنح — يُكتسب. والمكتبات التي غيّرت مواقعها داخل جامعاتها فعلت ذلك حين أثبتت أثرها بأرقام، وربطت خدماتها بأهداف الجامعة الاستراتيجية بوضوح، وحين تحوّل مديرها من مشغّل لخدمات إلى قائد لرؤية.
6. هل أصولك الرقمية محمية ومتاحة للأجيال القادمة؟
الرسائل الجامعية والأبحاث المنشورة والوثائق المؤسسية، ليست مجرد ملفات على خوادم، بل هي الذاكرة المعرفية للجامعة. والسؤال الحقيقي ليس "هل هي موجودة؟" إنما "هل ستبقى متاحة بعد عشرين عاماً؟"
مراجعة منهجية لـ 18 دراسة نُشرت بين 2020 و2025 حول استراتيجيات الحفظ الرقمي في المكتبات الأكاديمية كشفت أن النجاح في هذا المجال يعتمد على ثلاثة عوامل متشابكة: إدارة البيانات الوصفية، والشبكات التعاونية بين المؤسسات، والتطوير المستمر لكفاءات أمناء المكتبات. وحين يغيب أي من هذه العوامل تتسع الفجوة بين ما تملكه المكتبة وما ستتمكن من تسليمه للأجيال القادمة.
والتحدي لا يتعلق فقط بالتقنية. فالمحتوى الرقمي المولود أصلاً رقمياً — كالأطروحات الإلكترونية وبيانات الأبحاث — إذا فُقد لا يمكن استعادته بخلاف المواد الورقية التي يمكن رقمنتها من جديد. إن فقدانه يعني فقداناً دائماً لا رجعة فيه.
كثير من المكتبات الجامعية تتعامل مع الحفظ الرقمي كمهمة تشغيلية لا كأولوية استراتيجية. وهذا التصنيف وحده كافٍ ليجعل المؤسسة تخسر جزءاً من إرثها المعرفي في صمت، دون أن تشعر بالخسارة إلا بعد فوات الأوان.
7. هل تخدم مكتبتك جميع مستخدميها — بمن فيهم ذوو الهمم؟
حين نتحدث عن إتاحة المكتبة الجامعية، نفكر غالباً في ساعات الدوام وسهولة البحث الرقمي وتوافر المصادر. لكن ثمة شريحة من المستخدمين كثيراً ما تُنسى في هذه المعادلة، إنهم ذوو الهمم.
بحث فائز بجائزة الشارقة للأدب المكتبي 2026 طرح هذا السؤال بجرأة: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُخصّص تجربة المكتبة الأكاديمية لذوي الهمم؟ وقدّم "نموذج بصيرة" إطاراً تكاملياً يُعيد تصميم الخدمة البحثية لتكون حقاً للجميع لا لمن لا يواجهون عوائق.
لكن الواقع في كثير من المكتبات الجامعية لا يزال بعيداً عن هذا الطموح. دراسة نُشرت عام 2026 في Journal of Academic Librarianship وجدت أن المكتبات الأكاديمية لا تزال تقصر في دعم الطلاب ذوي الإعاقة البصرية — رغم أن التقنية المتاحة اليوم تجعل هذا الدعم ممكناً أكثر من أي وقت مضى.
والمفارقة التي تستحق التأمل: "إتاحة المحتوى رقمياً لا تعني بالضرورة أنه متاح فعلاً، فليس كل مستخدم قادراً على استخدام المصادر الرقمية بالتنسيق الافتراضي ذاته. الإتاحة الحقيقية تعني إتاحة مُصمَّمة لكل مستخدم في سياقه الخاص.
8. هل تُجدِّد مكتبتك اشتراكاتها روتينيًا أم بالأثر؟
في كل عام، يمرّ أكبر بند إنفاق في المكتبة الجامعية — الاشتراكات الرقمية وقواعد البيانات — عبر المسار نفسه: يُعاد التجديد لأنه جُدِّد العام الماضي. قليلة هي المكتبات التي تتوقف لتسأل: من استخدم هذه القاعدة فعلاً؟ وكم كلّفتنا في كل مرة استُخدمت فيها؟ وماذا كنا سنخسر لو لم نجدّدها؟
مسح Library Journal السنوي لأسعار الدوريات لعام 2026 يرصد المشهد بوضوح: الزيادات المتوقعة في أسعار الاشتراكات تواصلت للعام السابع والستين على التوالي بمعدل يفوق التضخم العام، في وقت تضطر فيه المكتبات إلى "تقليص العمل بموارد أقل" — وهو عنوان التقرير نفسه هذا العام. هذا الضغط المتراكم يعني أن التجديد التلقائي لم يعد خياراً آمناً: فكل عام تجدد فيه الاشتراكات دون مراجعة تؤدي إلى تراكم فجوة بين ما تدفعه المكتبة وما تستطيع تحمّله فعلياً، إلى أن تأتي لحظة تضطر فيها إلى إجراء تخفيضات مفاجئة أو على الأقل غير مدروسة.
والفرق بين المسارين جوهري. فالمكتبة التي تجدّد بشكل روتيني تدافع عن ميزانيتها بلغة الحفاظ على ما هو قائم، وهي لغة خاسرة أمام أي مدير مالي. أما المكتبة التي تجدّد بناء على الأثر تأتي إلى الطاولة بلغة مختلفة تماماً لغة تعتمد على مفرادات قوية مثل: تكلفة كل استخدام لقواعد بيانات بعينها ، وعدد مرات الاستعانة بها فعلياً، وأثرها المباشر على الإنتاج البحثي المنشور، مقابل قواعد بيانات أخرى استُغني عنها وحُوِّل ثمنها إلى خدمة أعلى عائداً. باختصار المقاربة الأولى تطلب، بينما الثانية تُقنع.
وأخيراً
هذه الأسئلة الثمانية لا تُنتج تقييماً ولا درجة نهائية، ولا يُجاب عنها في اجتماع واحد. إن قيمتها تكمن في أنها تنقل الحديث عن المكتبة من لغة الموجودات إلى لغة الأثر: من عدد المجلدات إلى عدد المرات التي وجد فيها باحث ما يحتاجه، ومن حجم المجموعة إلى موقع المكتبة حين تُتخذ القرارات الكبرى.
المكتبات الجامعية التي ستزدهر في السنوات القادمة لن تكون تلك التي امتلكت أكثر، بل تلك التي عرفت بصدق أين تقف، ثم تحركت من هناك. وسواء كانت الخطوة التالية مراجعة استراتيجية داخلية، أو الاستعانة بشريك تقني متخصص كـنسيج التقنية ومنصتها السحابية مداد، لدمج المكتبة تكامليًا مع أنظمة الجامعة الأخرى، فإن ما يحدد نجاح الخطوة ليس أداة بعينها، بل مدى وضوح الإجابة عن هذه الأسئلة قبل اختيار الأداة.
اختر سؤالاً واحداً من الثمانية، أصعبها عليك، واطرحه على فريقك هذا الأسبوع. البداية عادةً من هناك.