مدونة نسيج

الانتقال من الأزمة إلى الفرصة: التعليم الإلكتروني والرهانات المستقبلية

Written by هيام حايك | 27/04/2020 08:25:48 ص

"لقد حققنا المزيد من التقدم في التعلم الرقمي والتعليم عن بعد في الأسابيع الماضية أكثر من السنوات العشر الماضية.  "  هذا ما قاله وزير التعليم المصري طارق شوقي، خلال اجتماع عبر الإنترنت عقدته اليونيسكو  في الثالث والعشرين من مارس 2020 لمجموعة مخصصة من وزراء التعليم من دول مختلفة، لتبادل المعلومات حول التدابير الموسعة التي تم نشرها في بلدانهم لدعم  الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور، والوقوف على واقع الانتقال الي الحيز الإلكتروني  ومدى تأثير إغلاق المدارس على ما يقرب من 80٪ من الطلاب في العالم.  حيث أدت عمليات الإغلاق هذه، والتي قد تستمر لمدة ستة أشهر، إلى تعطيل التعليم بشكل خطير ليصل عدد الطلاب المتضررين من إغلاق المدارس والجامعات في 138 دولة تقريبًا إلى 1.37 مليار، وهو ما يمثل أكثر من 3 من كل 4 أطفال وشباب حول العالم. بالإضافة إلى ذلك، هناك حوالي 60.2 مليون معلم يتواجدون الآن بعيداً عن فصولهم الدراسية.

في ظل هذه الأرقام، يمكننا القول أن العالم يواجه محنة لم يمّر بها منذ قرنٍ من الزمن، والتي سوف تخلق العديد من التحديات الناشئة، وسيكون لها الكثير من التداعيات التي سيمتد أثرها إلى مختلف القطاعات، بما فيها التعليم.

تحديات التطبيق المفاجئ للتعليم الإلكتروني

بالطبع هناك الكثير من التحديات التي تصاحب هذا الانتقال المفاجئ الي الحيز الإلكتروني.   فدون سابق إنذار ودون جاهزية، اضطر الطلاب إلى الامتثال لآلية التعلم عن بعد، واضطر المعلم أيضا أن يبدأ في ليلة وضحاها بالتدريس باستخدام أدوات الكرتونية  غريبه عنه، مما أثار حالة من الارتباك عند فئة لا يستهان بها من المعلمين.

وفي هذا الاطار تقول Stefania Giannini، مساعدة مدير عام التعليم لليونسكو: "  يحتاج المتعلمون أكثر من أي وقت مضى إلى أن يتلقوا الدعم الاكاديمي المصحوب بالدعم العاطفي، فهده  دعوة لاستيقاظ أنظمة التعليم، والنهوض لبذل جهود متخصصة تشتمل على تعليم ذو جودة، يأخذ بعين الاعتبار المهارات الاجتماعية والعاطفية ويحفز على التضامن". كما وأكدت على ذلك وزيرة التعليم الإيطالية Lucia Azzolina قائلة : "لا يمكننا استبدال وجود المعلمين والعلاقات التربوية ، ولكن ليس لدينا خيارات،  ويجب أن نبذل قصارى جهدنا لدعم المديرين والمدرسين والآباء والمتعلمين مع ضمان سلامتهم، فنحن نستخدم أدوات وسائل التواصل الاجتماعي للحفاظ على علاقة نابضة بالحياة  بين المعلمين والطلاب والحفاظ على دوافعهم."

فيروس كورونا (كوفيد-19) ينصف التكنولوجيا

شهد الطلب على منصات التعلم عن بعد زيادة غير مسبوقة على مدار الأيام الماضية، وذلك عقب تعليق الدراسة في المدارس والجامعات، ضمن الإجراءات الاحترازية التي تتخذها الدول لمنع انتشار فيروس كورونا. وقد تكون هذه المرحلة خطوة نحو إحداث تغيير جذري في تصورنا للتعليم الإلكتروني وإطلاق حقبة جديدة يأخذ فيها التعليم عن بعد دوراً محورياً في هذا المجال.  فقد مثلت التكنولوجيا والتقنيات والأدوات المتعددة للتعليم الإلكتروني والمدارس والجامعات الافتراضية،  بالنسبة لمعظم المؤسسات التعليمية المسار الأمثل للذهاب نحوه لتخطى هذه الأزمة.  من ناحية أخرى قد يمثل الاضطراب في العملية التعليمية الذي سببه فيروس كورونا فرصةً لوضع التكنولوجيا موضع الاختبار في مجال التعليم. وفي هذا يمكننا القول أن المُطلع على المشهد العام لاستجابات الدول تجاه تبنى التعليم الإلكتروني سيجد أن التكنولوجيا  أسهمت وبشكل واضح  في تقديم خدمات عديدة لقطاع التعليم بما في ذلك تعزيز سهولة الوصول إلى المعلومات ودعم تقنيات "التعلم عن بُعد" إلى جانب تمكين الطلبة من استخدام الحلول والتقنيات الرقمية المساعدة في الفصول الدراسية والمحاضرات والندوات على أساس يومي، واصبحنا نجد آلاف المعلمين والمعلمات ومع  بداية تفشي فيروس كورونا، ذهبوا  للتدريب على الشرح أمام الكاميرا،  لا أمام الطلاب، وكانت النتيجة أن عملية التعليم الإلكتروني عن بعد تسير بشكل منتظم  في كثير من البلدان، كما وبدأنا نشهد العديد من الصفوف الافتراضية المليئة بالمعلمين والطلاب!  في الوقت الذي بدت فيه معظم المدارس والجامعات فارغة.  والأكثر من ذلك أننا بدأنا نتطلع على تجارب العديد من المعلمين  الذين بدأوا بتشكيل مجموعات، من أجل تعلّم أفضل الممارسات في تعليم الطلاب عن بعد، والاستفادة من تجارب بعضهم لتعظيم الفائدة التعليمية والتدريب على منصات التدريس عبر الإنترنت.

 كيف تتحول الأوقات الصعبة إلى فرصة؟

مع إغلاق المدارس والجامعات مؤقتًا، كانت الاستجابة الفورية لمعظم أصحاب القرار في المؤسسات الأكاديمية هو السؤال عما يمكننا القيام به لمساعدة الآباء والطلاب والمعلمين وقادتهم على التأقلم في هذه اللحظة غير المسبوقة للعالم، وكيف يمكن العمل على عدم توقف التعلم. والأهم من ذلك هل يمكننا تحويل وقت الشدة إلى فرصة، ودروس مستفادة يمكن التعلم منها؟

لو نظرنا الي الجانب الأخر من الكوب وبعيدا عن الجانب الفارغ، وتأملنا الواقع الذي وضِعنا فيه فيروس كورونا (كوفيد-19)  رغماً عنا، يمكننا أن نرى أن التعُلم بدون الذهاب إلى المدرسة ليس فقط ممكنًا، ولكنه سيكون تعليمًا لجميع المعنيين بالعملية التعليمية، وبحيث يمكن أن يصبح الآباء معلمين أفضل من خلال تواجدهم في المنزل مع أطفالهم  ، وكذلك يمكن للمعلمين أن يتعلموا الاستفادة من قوى المشهد الرقمي ، كما وسوف يكتشف الطلاب أهمية التعليم الذاتي وتنظيم الوقت، وبما يسمح لهم من البقاء على اتصال مع معلميهم وزملائهم، ولربما أكثر مما يحصل بالفصل المدرسي. وفي هذا السياق تؤكد ليندا رش عميدة معهد تلال - TELLAL Institute في الإمارات العربية المتحدة، على أن هناك الكثير من الأدلة التي تؤكد على أن فترات الشدائد الشديدة تعزز الابتكار. ويعتبر برنامج التعليم المنزلي المقترح من قبل مدارس حكومة الإمارات العربية المتحدة والذي يسمى Learn from Afar مثالاً على ذلك. 

وفي هذا السياق، أشارت أستاذة ولاية ميشيغان Christine Greenhow ، التي تدرس دورات عبر الإنترنت منذ عام 2012 ، إلى أن فيروس كورونا قدم للتعليم وعلى مستوى العديد من الدول فرصة  ذهبية، وغير متوقعة للانتقال إلى الحاضر. ، فالعمل عن بعد ينمو بسرعة، بينما يظل التدريس والتعلم دون تغيير إلى حد كبير. ويحدثان شخصيًا في الفصول الدراسية. ولكن مع انتقال المزيد من المدارس إلى التدريس عن بُعد، بسبب الضرورة في الوقت الحالي ، هناك فرصة كبيرة لقطاع التعليم لجني فوائد استخدام الإنترنت.

نحن على ثقة، أنه ومما لا شك فيه أن وباء " COVID- 19" يمثل أزمة لمجتمعنا، ولكن ما يحصل في الواقع أنه يمثل أيضًا فرصة جيدة لتعزيز وتطوير التكنولوجيا وتقديم الحلول للتعلم والتعليم عبر الإنترنت، والذي سيكون على الأرجح الاتجاه المستقبلي للتعليم. هذا الوباء قد يكون فرصة أيضًا لتغيير نظرة المعلم إلى التعليم عبر الإنترنت وإحداث قفزة كبيرة نحو المزيد من طرق التدريس التي تقودها المشاركة من خلال تعزيز الكفاءة.

هذا الفيروس العالمي الجديد يبقينا محتجزين في منازلنا - ربما لأشهر - يعيد بالفعل توجيه علاقتنا بالحكومة، والعالم الخارجي، وحتى ببعضنا البعض، ولكن لا يزال هناك الكثير الذي يجب تعلمه، وحالة الطوارئ التي تسببها فيروس " COVID- 19" يمكن أن تكون لحظة فاصلة للتعليم. ونقطة تحول مفصلية للكثير من القطاعات المختلفة، ولكن وبعد كل شيء، لنتذكر دائماً أن المحنة هي في الغالب أعظم معلم في الحياة.