مدونة نسيج

توجهات المكتبات في عصر الذكاء الاصطناعي – الجزء الأول

Written by هيام حايك | 18/09/2019 06:24:08 ص

 

منذ نحو ما يقارب قرنا من الزمان، كانت الكهرباء شيئًا جديدًا وشبه سحري، في ذلك الوقت، لم يكن أحد يتوقع أن يؤدي هذا الاكتشاف إلى ظهور الهواتف وخطوط الإنتاج والرقائق الدقيقة، ومع مرور الوقت أثرت الكهرباء على جميع مناحي الحياة، ولم تكن الصناعات بمنأى عن هذا التأثير، بما في ذلك الزراعة والرعاية الصحية والنقل والتصنيع. الآن في القرن الحادي والعشرين، دخل شيء شبه سحري جديد في حياتنا يسمى: الذكاء الاصطناعي (AI)، ومثلما كان الحال في الأيام الأولى للثورة الإلكترونية، بدأنا فقط في مرحلة فهم كيف ستعمل هذه التقنية الجديدة على تغيير حياتنا اليومية، وحيث إن معظم التقنيات الحديثة تقريبًا مبنية على أسس التعلم الآلي المتزايد التطور، حيث تراهن كل شركة تقنية كبرى على التعلم الآلي، على أمل أن تكون لاعباً مهماً في الثورة القادمة من خلال تطوير ذكاء الآلات الخاصة بأداء المهام التي كانت تتطلب الذكاء البشري.

المساعدات الرقمية ثورة في الذكاء الاصطناعي

بدأ الكثير منا مؤخراً في سماع بعض العبارات، والتي كانت غريبة على بيئة المكتبات منذ فترة ليست بالبعيدة مثل: "لست مضطرًا لزيارة مكتبة؛ كل ما عليّ فقط هو سؤال مساعد جوجل Google Assistant   أو أليكسا Alexa أو ربما سيري Siri، وهي ستخبرني بكل شيء أريد معرفته. أنا أتحدث إليها طوال اليوم".

عند التأمل في مثل هذه العبارة، سوف يتضح لنا أن الذكاء الاصطناعي يسحب البساط من بين أقدام كل ما هو تقليدي، وعلى استعجال، ليفسح المجال لظهور تقنيات كانت منذ سنوات ضرباً من الخيال، الآن يقدم لنا الذكاء الاصطناعي العديد من الابتكارات التي بدأت أصبحت واقعا نعيشه، مثال المساعدات الرقمية التي تساعد الإنسان في حياته اليومية في كافة المجالات، كمساعد جوجل Google Assistant وأليكسا Alexa وغيرهم من المساعدات الرقمية التي تتعاظم يوميا.

 المساعدون الرقميون يستجيبون ويستخدمون الأوامر الصوتية لمساعدة المالكين في الإجابة عن الأسئلة، وإكمال المهام البسيطة، وجعل الحياة أسهل بشكل عام، فالآن يمكنك أن تطلب من سيري (أو ما شابه) إجراء مكالمة أو البحث عن توقعات الطقس، أو ربما قراءة كتاب على مسامعنا.

تعريف الذكاء الاصطناعي

فكرة الذكاء الاصطناعي قائمة على كثير من المفاهيم والمصطلحات أشهرها تُسمى النظم الخبيرة، بالإضافة إلى أن له تعريفات كثيرة بين العلماء، وهو تصميم أجهزة الكمبيوتر وبرمجتها كي يكون ذكاؤها يضاهي ذكاء الإنسان، وقد بدأ من 50 إلى 60 عامًا، والأهم أن الذكاء الاصطناعي مزيج من علوم الكمبيوتر وعلم النفس والفلسفة، كما أنه يتضمن أي جهاز يعمل ويتصرف بعمليات ذكية، والذكاء هو القدرة على حل المشاكل، والقدرة على حل القرارات الأفضل بناءً على الوضع البيئي الذي يحيط به، والقدرة على التعلم من الأخطاء التي مرت بها ، حيث لا يزال تأثير هذه الموجة المبكرة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي (AI) غير مؤكد في العديد من المجالات، ولكن حان الوقت لإدراج الذكاء الاصطناعي في جدول أعمالنا المهني وفي حديثنا الوطني.

الذكاء الاصطناعي: ضيف المكتبات الجديد

عند التحدث مع أمناء المكتبات والمتخصصين في مجال المعلومات، حول توظيف الذكاء الصناعي في المكتبات، يتضح لنا أنه وبالرغم من قناعة الكثير منهم بالفائدة التي سيحققها الذكاء الاصطناعي في المكتبات، إلا أنه يثير أيضًا مخاوف مألوفة حول الخصوصية والحرية الفكرية والسلطة والوصول، وهناك أيضًا اعتبارات التنوع، بما في ذلك الوصول للأشخاص ذوي القدرات اللغوية المختلفة،  يبحث المكتبيون عن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي من عدة وجهات نظر،  حيث إن البعض يستخدمه  للتدريس، والبعض يستخدمه لمحو الأمية الثقافية أو مهارات التفكير النقدي. ففي معهد ماساتشوستس للتقنية، يركز كريس بورغ، مدير المكتبات، على بناء بنية تحتية تقنية بحيث يمكن الوصول إلى مجموعاتها عن طريق واجهات برمجة التطبيقات، وبالتالي يمكن استخدامها من خلال خوارزميات التعلم الآلي. تعمل مكتبات إم آي تي  (MIT)مع باحثين في مجال التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي في الجامعة لتحليل مهام المكتبة المختلفة وآليات سير العمل التي قد يعززها AI. وعلى حد قول بورغ: "من المهم للمكتبات الأكاديمية أن تجعل مجموعاتها في متناول أدوات الذكاء الاصطناعي مثل "أليكسا"، بحيث عندما يطلب شخص ما المساعدة صوتياً للحصول على المعلومات تكون في متناول اليد متى شاء".

هذا ويتواجد في جمعية المكتبات الأمريكية العديد من الموارد لمساعدة العاملين في المكتبات على فهم الذكاء الاصطناعي، والتطبيقات الجديدة التي ظهرت نتيجة لتطور هذا العلم.  هذا وتعمل على تعزيز الذكاء الاصطناعي في المكتبات من خلال تشجيع اقتناء المواد المكتبية التي تعكس هذه التقنية وتشجع التقارير التي تستكشف تقنية الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في المكتبات، كذلك تتضمن العديد من المؤتمرات التي تشارك في تنظيمها جمعية المكتبات الأمريكية جلسات حول الذكاء الاصطناعي.

تأثيرات الذكاء الاصطناعي على المكتبات:

يدرك قادة المكتبات الناجحة أن الذكاء الاصطناعي (AI) ومجموعاته الفرعية يمكن أن يحلوا مشاكل العمل الملحة، مما يجعلهم يتسابقون للحصول على التقنيات والخبرات الذين يمكنهم تشغيلها، فهناك الكثير من الآراء التي تجمع على أن  الذكاء الاصطناعي سيكون المجال الخصب الذي  سيشغل  المتخصصين في مجال المكتبات والمعلومات للبحث  عن طرق مفيدة لاستخدامها واستثمارها لتسهيل أعمالهم وتحسين نوعية خدماتهم وخبراتهم الخاصة، فلقد استغل المتخصصون هذه التقنية، وقاموا بإنتاج العديد من النظم في التخزين والاسترجاع وفي الفهرسة والتكشيف والاستخلاص والأعمال المرجعية، فالمتخصصون يجب أن تتوفر لديهم الخبرة والتفاعل مع مظاهر الحياة المختلفة ومهارات أخرى مثل التصنيف، والخبرة الأكاديمية، وإجراء المقابلات، وبناء المكانز، والمعرفة باحتياجات المستفيدين.

ومن المتوقع بعد ثورة الذكاء الاصطناعي أننا لن نقرأ كتاب المكتبة للحصول على معلومات تساعدنا في عملية اتخاذ القرار، فعندما تكون الآلة قد قرأت بالفعل جميع الكتب وتمتلك مهارة  التحليل وصنع القرار، فمن الطبيعي أننا لن نقضي ساعات على أجهزة الكمبيوتر التي تبحث في سؤال، في الوقت الذي يمكن لتطبيقات الذكاء الاصطناعي أن تفعل ذلك لنا في ثوانٍ. وكذلك بالتأكيد لن نذهب إلى أمين مكتبة عند الحاجة إلى المعلومات عندما تتمكن تقنيات الذكاء الاصطناعي من تقديم إجابة أفضل في جزء صغير من الوقت.

 وربما قد تتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي مستقبلاً، ففي حال استطاعت الآلة قراءة الكتب الموجودة في المكتبات فسوف تكون بالتالي أكثر معرفة وإدراكاً من الإنسان، ما يمكنّها من تأليف الكتب ونشرها إلكترونيًا، ومن ثم تسويقها بدون أي تدخل بشر.

ما سبق من طرح حول مستقبل الذكاء الاصطناعي في المكتبات يؤكد على ازدياد تطبيقات الذكاء الاصطناعي وأدواتها المساعدة يوما بعد يوم في العديد من المؤسسات التعليمية، هذا بالإضافة إلى زيادة فرص تحسين التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي في مجالات مثل الفهرسة والتصنيف والتوثيق وتطوير المجموعات عاماً بعد عام، مما يجعلنا على يقين أن الذكاء الاصطناعي سيتم الاستفادة منه في جميع المجالات في المستقبل القريب، وستستفيد علوم المكتبات والمعلومات استفادة كبيرة من تطوير نظام خبير فاعل للخدمات الفنية وكذلك معالجة المعلومات وإدارتها.

في هذا الجزء من التدوينة تطرقنا إلى الذكاء الاصطناعي في المكتبات بشكل عام، في الجزء الثاني سوف يتم العمل على البحث في خلق ثقافة تدعم نجاح الذكاء الاصطناعي في المكتبات.