تُقدّر الدراسات أن ما يقرب من 85% من المعرفة الطبية المنتجة قد لا تجد طريقها إلى الممارسة السريرية الفعلية، هذا على الرغم من أن حجم المعلومات الطبية يتضاعف بمعدل مذهل قد يصل إلى كل 73 يومًا في ظل التطور الرقمي المتسارع. وبين وفرة المعلومات وشح المعرفة المُطبَّقة، يفقد النظام الصحي استثماراته المعرفية، ويُحرم المريض من رعاية قائمة على أحدث الأدلة.
وفي المملكة العربية السعودية، حيث يتسارع التحول الرقمي في القطاع الصحي ضمن رؤية 2030، لم يعد السؤال عن مدى غنى المكتبات الطبية بالمصادر، بل عن مدى قدرتها على تحويل هذه المصادر إلى منظومة معرفية متكاملة ومتصلة، تضع المعلومة الصحيحة في يد الطبيب في اللحظة المناسبة التي يحتاجها فيها.
هذا المقال يستعرض ملامح هذا التحول، ويناقش كيف يمكن للمؤسسات الصحية الأخرى أن تسير على في الدرب، لتحوّل تحدّي وفرة المعلومات إلى فرصة حقيقية لتحسين جودة الرعاية.
من وفرة المعلومات إلى شح المعرفة المُطبَّقة
المشكلة ليست نظرية، بل واقع يعاني منه الأطباء والباحثون وأمناء المكتبات على حد سواء. تبدأ المعاناة من التشتت الرقمي. فالمكتبة الطبية في المؤسسة الصحية قد تمتلك اشتراكات في عشرات قواعد البيانات والمجلات العلمية، لكن كلا منها يعمل بمعزل عن الآخر. فقاعدة بيانات متخصصة في الأبحاث السريرية لا تتصل بأخرى تهتم بالأدلة الإرشادية، وثالثة تركز على التجارب الدوائية. هذا التوزع يعني أن الباحث أو الطبيب يضطر إلى فتح منصات متعددة، وإعادة كتابة استفساره في كل منها، ومقارنة النتائج يدوياً. والنتيجة هي استنزاف وقت كان يمكن توجيهه إلى رعاية المرضى أو تطوير المهارات السريرية.
وتتفاقم المشكلة مع فجوة التوقيت. فالقرارات السريرية الأكثر حساسية هي تلك التي تتخذ في لحظات حرجة: في غرفة الطوارئ، أو أثناء عملية جراحية، أو في وحدة العناية المركزة. ففي هذه اللحظات، لا يتسع الوقت لتصفية مئات النتائج أو التنقل بين المنصات. بل يحتاج الطبيب إلى إجابة موثوقة خلال ثوانٍ، ومع ذلك فإن كثيراً من المكتبات الرقمية التقليدية لا تستطيع تلبية هذه السرعة. وهنا يقع الطبيب بين خيارين أحلاهما مر: إما الاعتماد على خبرته الشخصية وحدها، وهو ما قد لا يعكس أحدث الأدلة، أو تأخير القرار للرجوع إلى المصادر، وهو ما قد لا يتوافق مع حالة المريض الحرجة.
إلى جانب ذلك، تعاني المكتبات الطبية من غياب التكامل مع بيئة العمل السريري. فهي منصات منفصلة عن نظام السجلات الطبية الإلكترونية الذي يعتمده الأطباء في توثيق حالات المرضى. هذا الانفصال يعني أن الطبيب لا يمكنه أثناء كتابته لتشخيص مريض أن يستعلم مباشرة عن أحدث الأبحاث المرتبطة بهذه الحالة. بل عليه أن يغلق النظام الطبي، ويفتح نظام المكتبة، ويبدأ بحثاً جديداً، ثم يعود ليُدمج ما وجده مع ما كتبه. هذه الثنائية في العمل لا تثبط فقط استخدام المصادر العلمية، بل تخلق عزوفاً تدريجياً عن الرجوع إليها.
وتواجه المؤسسات تحدياً لا يقل خطورة، وهو التحقق من جودة المحتوى وموثوقيته. فمع الانفجار الهائل في عدد المنشورات الطبية، أصبح من الصعب التمييز بين المصادر المعتمدة علمياً والأخرى التي قد تحمل معلومات غير دقيقة أو قديمة. كثير من الأطباء يجدون أنفسهم أمام كم هائل من النتائج، فيضطرون إلى الاعتماد على مصادر قد لا تكون محدثة أو خاضعة لمراجعة علمية صارمة. وهنا يبرز دور المكتبة ليس فقط في توفير المعلومات، بل في ضمان جودتها وفلترة ما هو محدث ومعتمد.
هذه التحديات مجتمعة تخلق تأثيرات تراكمية على الأداء المؤسسي. فالطبيب الذي يجد صعوبة في الوصول إلى المعلومة العلمية في وقتها، قد يتراجع تدريجياً عن الاعتماد على المصادر الموثوقة، وتضعف لديه ممارسة الطب القائم على الأدلة. كما أن المؤسسة التي تستثمر مبالغ طائلة في الاشتراكات المعرفية، دون أن تضمن وصولاً سهلاً وسريعاً لها، تكون قد حولت استثماراً استراتيجياً إلى مجرد تكلفة تشغيلية لا تحقق عائداً ملموساً. وفي المقابل، يظل الباحثون والمتدربون يقضون أوقاتاً طويلة في مهارات البحث والتنقل بين المنصات، بدلاً من استثمار هذا الوقت في تحليل المعلومات وتوظيفها في مشاريعهم البحثية أو تطوير ممارساتهم السريرية.
لذا، لم يعد كافياً أن تكتفي المؤسسة الصحية بتوفير مكتبة رقمية غنية، مهما كان حجمها أو تنوع اشتراكاتها. فالمكتبة التي لا تضع المعلومات في مسار العمل السريري، ولا تسهل الوصول إليها في لحظة الحاجة، تظل مكتبة منعزلة، لا تؤدي دورها الطبيعي في تحسين جودة الرعاية الصحية. وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: كيف يمكن تجاوز هذه المظاهر جميعها، وبناء منظومة معرفية تضع المعلومة الصحيحة في يد الطبيب في اللحظة التي يحتاجها فيها؟ هذا ما سنناقشه في المحور التالي.
من مكتبة منعزلة إلى منظومة معرفية متصلة
إذا كانت المشكلة قد تبلورت في التشتت الرقمي، وفجوة التوقيت، وانعزال المكتبات عن سير العمل السريري، فإن الحل يبدأ بإعادة تعريف المكتبة الطبية نفسها. إذ لم تعد المكتبة في هذا النموذج الجديد مجرد مكان لحفظ الكتب والدوريات، ولا حتى مجرد بوابة رقمية للاشتراكات العلمية. بل تتحول إلى منظومة معرفية متصلة الحلقات، تضع المعرفة في قلب التدفق التشغيلي للمؤسسة الصحية.
فما الذي يميز منظومة المعرفة الصحية عن المكتبة الرقمية التقليدية؟ الفارق جوهري. فحيث كانت المكتبة التقليدية تركز على "توفير المصادر"، تركز المنظومة على "توصيل المعرفة". وحيث كانت المكتبة التقليدية منصات منعزلة، فإن المنظومة تدمج المصادر في بيئة عمل واحدة. وحيث كانت المكتبة التقليدية تنتظر أن يأتيها الباحث، فإن المنظومة تذهب إلى المستخدم حيثما يكون.
وتقوم هذه المنظومة المتكاملة على أربع ركائز أساسية، تحول كل منها جانباً من جوانب الأزمة التي ناقشناها في المحور الأول إلى فرصة للتحسين.
الركيزة الأولى هي البحث الموحد:
فبدلاً من أن يضطر الطبيب أو الباحث إلى فتح عشرات المنصات وإعادة كتابة استفساره في كل منها، تتيح المنظومة محرك بحث واحداً يغطي جميع المصادر المتاحة للمؤسسة. قاعدة البيانات، والمجلات العلمية، والأدلة الإرشادية، والمستودعات المؤسسية، كلها تصبح متاحة من نقطة دخول واحدة. والنتيجة أن الوقت الذي كان يضيع في التنقل بين المنصات يتحول إلى وقت يُستثمر في تحليل المعلومات وتوظيفها.
الركيزة الثانية هي التكامل مع سير العمل السريري:
وهنا يكمن الفارق الأهم. فالمنظومة المتصلة لا تبقى منصة منفصلة، بل تُربط مباشرة بأنظمة المؤسسة الأساسية، مثل نظام السجلات الطبية الإلكترونية. تخيل معي أن الطبيب وهو يكتب تشخيص حالة مريض، تظهر له تلقائياً أحدث الأدلة الإرشادية المرتبطة بهذه الحالة، أو نتائج أبحاث مشابهة، أو توصيات دوائية محدثة. هذا التكامل يحول المعرفة من شيء يُبحث عنه إلى شيء يُقدم في سياقه الطبيعي، مما يعزز جودة القرارات السريرية ويسرّعها.
الركيزة الثالثة هي التحليلات وحوكمة المحتوى:
في زمن الفيض المعرفي، تحتاج المؤسسات إلى أدوات تمكنها من فهم كيفية استخدام المعرفة، وتحديد الفجوات، وقياس العائد على الاستثمار المعرفي. من خلال التحليلات، يمكن للمؤسسة أن تعرف أي المصادر الأكثر طلباً، وأي التخصصات تحتاج إلى دعم معرفي إضافي، وكيف يتفاعل الأطباء والباحثون مع المحتوى المتاح. كما تتيح آليات الحوكمة ضمان جودة المحتوى، وفلترة ما هو محدث ومعتمد، وتنقيح المصادر القديمة أو غير الموثوقة. وهكذا، تتحول إدارة المعرفة من نشاط إداري إلى وظيفة استراتيجية.
الركيزة الرابعة هي الأكثر إنسانية، وتتمثل في تحول دور أمين المكتبة:
في النموذج التقليدي، كان دور أمين المكتبة ينصب على الاقتناء والفهرسة وتنظيم المستودع. أما في منظومة المعرفة المتصلة، فيتحول أمين المكتبة إلى شريك استراتيجي في الرعاية الصحية. يصبح مسؤولاً عن تصميم استراتيجيات البحث، وتدريب الأطباء والباحثين على استخدام المصادر بفعالية، وضمان جودة المعلومات المقدمة، والمشاركة في فرق البحث السريري لتوجيه عمليات البحث المنهجية. هذا التطور لا يعزز مكانة المهنة فحسب، بل يضيف قيمة نوعية للمؤسسة الصحية بأكملها.
وهنا يأتي دور التجربة السعودية الرائدة التي تجسّد هذه الركائز الأربع على أرض الواقع. فشراكة مدينة الملك سعود الطبية مع نسيج للتقنية، التي أُعلن عنها في مارس 2025، تمثل أنموذجاً تطبيقياً متكاملاً لهذه الرؤية. ففي إطار سعي المدينة، التي تُعد واحدة من أكبر المؤسسات الصحية الثلاثية في المملكة بـ 1400 سرير وأكثر من 9 آلاف مختص، لتعزيز التميز السريري، تم التعاون لبناء بنية معرفية موحدة تعتمد على منصة "مداد" للخدمات المكتبية، وهي منصة سحابية متكاملة تطورها نسيج.
لا تقتصر هذه المنصة على كونها نظاماً مكتبياً تقليدياً، بل هي بنية تحتية معرفية موحدة تدمج فهرسة المصادر المادية والرقمية، وإدارة الاشتراكات، وعمليات الإعارة، وحتى تحليلات استخدام المعرفة، كل ذلك في نظام واحد موحد قابل للتطوير. ومن خلال بوابة "مداد"، أصبح الأطباء والباحثون في المدينة يستفيدون من واجهة بحث موحدة ومتقدمة، صُممت لتقليل الوقت المستغرق في الوصول إلى المعلومات، خاصة في السيناريوهات السريرية الحرجة التي تتطلب استجابة سريعة.
والأكثر تأثيراً هو أن هذه المنصة لا تكتفي بتنظيم المصادر، بل تُحدث نقلة نوعية من خلال التكامل مع كبرى المصادر المعرفية العالمية، مما يضع محتوى سريرياً وبحثياً محكماً وموثوقاً في مسار العمل السريري والتدريب الطبي. هذا التكامل يعزز قدرة الفرق الطبية على اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة بثقة، ويسرّع الابتكار، ويدعم التطوير المهني المستمر.
وتعكس هذه التجربة رؤية أوسع، إذ يشير الخبراء والمختصون في مجال التحول الرقمي الصحي إلى أن دمج المنصات المتقدمة مع المحتوى السريري والبحثي عالي الجودة، يتجاوز مجرد توفير المعلومات ليصل إلى ترجمتها إلى تأثير ملموس على جودة الرعاية. وهذا ما تؤكده رؤية نسيج للتقنية في بناء منظومات معرفية متكاملة، تحوّل المؤسسات الصحية من مرحلة "الوصول إلى المعرفة" إلى مرحلة "تسخير المعرفة" ومن ثم توظيفها الواعي والفاعل في مسار العمل السريري اليومي.
فالتجربة إذن ليست مجرد مشروع تقني لإدارة المصادر، بل خطوة استراتيجية تعكس وعياً متزايداً في المملكة بأهمية جعل المعرفة جزءاً من البنية التشغيلية للمؤسسات الصحية. وهي تندرج في سياق التحول الصحي الشامل الذي ترسمه رؤية 2030، حيث تصبح البيانات والمعرفة ركيزة أساسية في تحسين النتائج السريرية، وتمكين الكوادر الطبية، وتسريع الابتكار في القطاع الصحي.
وهكذا، نعود إلى السؤال الذي بدأنا به هذا المحور: ما الذي يميز منظومة المعرفة الصحية عن المكتبة التقليدية؟ إنها ليست مجرد تقنية أفضل، ولا حتى مجرد واجهة أكثر جمالاً. إنها إعادة تعريف كاملة للعلاقة بين الإنسان والمعرفة في سياق الرعاية الصحية. إنها تحول المكتبة من جزر منعزلة، إلى منظومة متصلة متكاملة تضع المعرفة في قلب كل قرار سريري، وتجعل من المعلومة الموثوقة رفيقاً دائماً للطبيب، في كل لحظة يحتاجها فيها.