
يتحوّل التعليم العالي عالميًا—وفي العالم العربي على وجه الخصوص—من “رقمنة الأدوات” إلى إعادة تصميم القيمة: كيف تُتَّخذ القرارات، وكيف تُقاس النتائج، ولمن تُوجَّه الموارد.
فمع دخول الأطر التنظيمية للذكاء الاصطناعي حيّز التطبيق، وتراجع جدل “الحضوري أم عن بُعد” لصالح تجارب هجينة مدعومة بالبيانات، وتزايد ضغط أسواق العمل نحو المهارات أولاً Skills‑First، بات عام 2026 نقطة الحسم بين مؤسسات تُعيد تشكيل نماذجها الأكاديمية والتشغيلية على أسس واضحة، وأخرى تبقى في دائرة “التجارب المبعثرة”. هنا لا يكفي شراء أنظمة جديدة؛ بل يلزم نسيج بيانات يربط كل قرار بدليل، وحوكمة مسؤولة للذكاء الاصطناعي، ومحفظة شهادات مصغرةMicro‑credentials تتراكم لتصبح مؤهلات أعلى، ومسارات التعليم القائم على الكفاءة Competency-Based Education (CBE) الذي يرسخ مفهوم الكفاءة لا زمن المقعد، ومساءلة شفافة قائمة على القيمة مقابل المال من خلال مخرجات قابلة للتحقق.
في هذا السياق، لا يكون التحدّي هو “مواكبة التغيير” بقدر ما هو اختيار الموقع منه: من سيقود التحوّل، ومن سيكتفي بردّ الفعل؟ أما المؤسسات التي تنظر إلى التحوّل بوصفه تحديثًا تقنيًا فحسب، فستكتشف سريعًا أنّ المقاربة قاصرة؛ إذ يتقاطع المشهد الجديد مع أعراف اعتماد مختلفة، ونضج مؤسسي متباين، وتوقعات سوقٍ تُسائل القيمة التعليمية على أساس أثرها الواقعي لا وعودها النظرية.
فيما يلي، نستعرض سبع قوى رئيسة تعيد تشكيل المشهد الأكاديمي، مع قراءة تطبيقية تراعي خصوصية السياق العربي، وتطرح مسارات تنفيذية يمكن البدء بها دون انتظار “الجاهزية الكاملة” .
1) الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي: من التجريب إلى بنية تحتية مُحكومة بالسياسات
دخل الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي مرحلةً جديدة تتجاوز حدود التجريب والابتكار الفردي إلى منطق البنية التحتية المؤسسية. فمع نشر قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act) في يوليو/تموز 2024، باتت الجامعات أمام متطلبات تنظيمية صريحة لإدارة المخاطر، وجودة البيانات، والشفافية، والتوثيق الفني، لا سيما للأنظمة المصنّفة عالية الخطورة—وبجداول امتثالٍ متدرجة تمتد حتى عام 2026 وما بعده تبعًا لطبيعة الاستخدام ومستوى المخاطر. وفي الاتجاه نفسه، تضع إرشادات اليونسكو (2023) لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والبحث إطارًا أخلاقيًا وتربويًا واضحًا يركّز على الخصوصية والتحقق من القيمة التعليمية وحدود الاستخدام الملائمة.
وبالنسبة للجامعات العربية، فإن المعنى العملي هو الانتقال من استخدامٍ تجريبي متفرّق إلى طبقة تشغيل أساسية تُدار بسياسات وحوكمة واضحة (تصنيف مخاطر، شفافية ومسؤولية، وإدارة متكاملة لدورة حياة البيانات)، واتخاذ قراراتٍ استراتيجية بشأن نماذج الاستضافة والتشغيل بما يضمن السيادة الرقمية/المعرفية وحماية بيانات الطلبة والبحوث—على نهجٍ منسجم مع الاتجاهات العالمية المتنامية نحو Sovereign AI.
2) نسيج البيانات في التعليم العالي: من تقارير متفرّقة إلى قرار مدعوم بالبيانات
تعاني جامعات كثيرة، لا سيما في المنطقة العربية، من وفرة البيانات مقابل محدودية القدرة على تحويلها إلى قرارات مؤسسية فعّالة. فبيانات الطلبة موزّعة بين أنظمة شؤون الطلبة (SIS)، ومنصات إدارة التعلّم (LMS)، والموارد البشرية، والبحث العلمي، والأنظمة المالية، غالبًا دون إطار تكامل أو حوكمة موحّدة. النتيجة ليست نقصًا في المعلومات، بل قرارات متأخرة تعتمد على تقارير جزئية أو غير محدثة.
يقدّم نسيج البيانات Data Fabric مقاربة معمارية حديثة تهدف إلى ربط البيانات وحوكمتها عبر مصادر متعددة، من خلال طبقة موحّدة تعتمد على الميتاداتا النشطة وأتمتة التكامل، مع تقليل الحاجة إلى ترحيل شامل للبيانات. ووفقًا لتعريفات Gartner ، لا يسعى هذا النهج إلى استبدال الأنظمة القائمة، بل إلى تمكين الوصول إلى بيانات موثوقة وفي الوقت المناسب لدعم القرار.
في سياق التعليم العالي، يمكّن نسيج البيانات القيادات الجامعية من الانتقال من تقارير وصفية متأخرة إلى مؤشرات أداء لحظية ونماذج تحليلية تدعم قرارات مثل الاستبقاء، والإكمال في الوقت، ورصد المخاطر الأكاديمية المبكرة. وقد ناقشت نسيج هذا التحوّل بالتفصيل في مقالها حول Data Fabric في المؤسسات التعليمية، موضحة كيف يسهم نسيج البيانات في تجاوز تجزئة الأنظمة، ورفع موثوقية التحليلات، وربط البيانات مباشرة بسياق القرار الأكاديمي.
3) من الشهادة أولًا إلى المهارات أولًا: كيف تعيد الشهادات المصغّرة تشكيل التعليم العالي
يتراجع النموذج التقليدي الذي يضع الشهادة الجامعية بوصفها الغاية النهائية للتعليم، لصالح مقاربة تضع المهارات القابلة للإثبات في مركز القيمة التعليمية. هذا التحوّل لا يعكس فقط تغيّر متطلبات سوق العمل، بل يعيد صياغة العلاقة بين الجامعة والمتعلم: من مسار طويل ومغلق، إلى مسارات مرنة تُبنى حول ما يستطيع الخريج إنجازه فعليًا.
في هذا السياق، تبرز الشهادات المصغّرة (Micro-credentials) كآلية تنظيمية وتعليمية تمكّن الجامعات من تقديم تعلّم قصير المدى، واضح المخرجات، وقابل للتراكم ضمن مؤهلات أعلى. وقد عزّز هذا الاتجاه اعتماد توصية المجلس الأوروبي (2022)، التي وضعت إطارًا موحّدًا لتعريف الشهادات المصغّرة، وضمان جودتها، وقابليتها للاعتراف الأكاديمي والمهني.
تتقاطع هذه المقاربة مع نماذج التعلّم المصغّر (Micro-learning) التي تركّز على وحدات تعليمية قصيرة ومكثفة لبناء مهارات محددة في وقت قصير. هذا النموذج يتيح للمؤسسات التعليمية الاستجابة السريعة لحاجات سوق العمل، ويمنح المتعلمين قدرة أعلى على تحديث مهاراتهم دون الارتباط بمسارات دراسية طويلة أو جامدة، وهو ما يجعله خيارًا عمليًا للجامعات العربية الساعية إلى تحسين مواءمة مخرجاتها مع التوظيف والاقتصاد القائم على المهارات.
4) القيمة مقابل المال في التعليم العالي: من الوعود إلى النتائج القابلة للقياس
تتصاعد عالميًا مطالب المساءلة على القيمة مقابل المال في التعليم العالي، مع انتقال التركيز من سمعة البرامج ومدخلاتها إلى ما يحققه الخريجون فعليًا بعد التخرّج. لم يعد السؤال: ماذا ندرّس؟ بل: ما الأثر الذي تتركه هذه الدراسة على المسار المهني والأكاديمي للطالب؟
ويتجلّى هذا التحوّل في أطر تنظيمية حديثة؛ إذ تربط الولايات المتحدة البرامج التعليمية بمؤشرات الدخل ونِسب الدين، فيما تفرض إنجلترا عبر Office for Students (B3) عتبات أداء للمواظبة والإكمال والتقدّم بعد التخرّج
بالنسبة للجامعات العربية، لا يتمثّل التحدي في استنساخ هذه النماذج، بل في تبنّي ثقافة قرار مبنية على النتائج: تتبّع الاستبقاء، والإكمال في الوقت، والانتقال إلى العمل أو الدراسات العليا، وربط تطوير البرامج بهذه المؤشرات بدل الاعتماد على التوسّع الكمي أو الانطباعات العامة.
5) التعلّم الهجين والتعلّم التكيفي: من الشكل إلى زمن الإتقان
تجاوز النقاش في التعليم العالي ثنائية التعليم الحضوري مقابل التعليم عن بُعد، ليركّز على تصميم تجربة تعلّم هجينة مدعومة بتحليلات التعلّم، قادرة على الاستجابة للفروق الفردية بين الطلبة. في هذا السياق، لم تعد القضية مرتبطة بشكل التعلّم، بل بقدرة النظام التعليمي على دعم الطالب حتى يصل إلى مستوى الإتقان الفعلي.
في المقررات التأسيسية كثيفة الالتحاق، يبرز التعلّم التكيفي (Adaptive Learning) كأحد النماذج التي تتيح هذا التحوّل عمليًا، عبر تعديل المحتوى ومسار التعلّم استنادًا إلى أداء الطالب وتفاعله. وقد أظهرت تحليلات أجرتها جامعة Johns Hopkins University وجود ارتباط بين استخدام منصة Knewton Alta— التي تعتمد نهجًا تكيفيًا قائمًا على البيانات—وتحسّن نتائج الطلبة عبر مستويات مختلفة من القدرات، ما يشير إلى دور هذا النوع من الأنظمة في تقليص فجوات التعلّم وتحسين الأداء الأكاديمي.
بالنسبة للجامعات العربية، تكمن قيمة التعلّم الهجين والتكيفي في الانتقال من تعميم التجربة التعليمية إلى تخصيصها، تحديداً في المقررات التي تمثّل “عنق زجاجة” في المسار الأكاديمي. ويعني ذلك اعتماد هذه النماذج بشكل تدريجي ومدروس، مع تمكين أعضاء هيئة التدريس من قراءة بيانات التعلّم والتدخل المبكر، بدل الاكتفاء برقمنة المحتوى أو نقل المحاضرات إلى بيئات رقمية دون تغيير جوهري في منطق التدريس.

6) التعليم القائم على الكفاءة (CBE): من زمن المقعد إلى إثبات المخرجات
يعيد التعليم القائم على الكفاءة (Competency-Based Education) توجيه التعليم العالي من التركيز على عدد الساعات المعتمدة وزمن الجلوس في القاعة، إلى التركيز على ما يستطيع المتعلّم إثباته فعليًا من مهارات وكفاءات. في هذا النموذج، يرتبط التقدّم الأكاديمي بإنجاز مهام ومعايير إتقان واضحة، لا بزمن الدراسة وحده.
تُظهر تجارب مؤسسية—ولا سيما في جامعات مثل Western Governors University (WGU)—أن هذا النهج يقدّم قيمة عالية للمتعلمين العاملين والبالغين، من حيث المرونة ووضوح المخرجات والارتباط بسوق العمل، إلى جانب نتائج إيجابية في التوظيف والتقدّم الوظيفي. في السياق العربي، تعكس تجارب خليجية، خاصة في المملكة العربية السعودية، اهتمامًا متزايدًا بنماذج تعليم أكثر مرونة وتركيزًا على المخرجات. وتُعد الجامعة السعودية الإلكترونية مثالًا على مؤسسات تعتمد التعليم المدمج، بما يهيّئ بيئة مناسبة لتطبيقات قريبة من منطق التعليم القائم على الكفاءة، خصوصًا في البرامج المهنية الموجّهة للمتعلمين العاملين.
عمليًا، يبدأ تبنّي التعليم القائم على الكفاءة بخطوات محدودة وواضحة: إطلاق مسارات قصيرة قائمة على الكفاءة في مجالات عالية الطلب مثل تحليل البيانات، والأمن السيبراني، وإدارة المشاريع الرشيقة، مع تحديد معايير إتقان دقيقة وقابلة للتحقق منذ البداية. ويكتمل هذا المسار بإنشاء آليات تقييم موثوقة، تتضمن مراجعة أو تقييمًا خارجيًا يضمن مواءمة الكفاءات المكتسبة مع المعايير المهنية وسوق العمل، ويحافظ في الوقت نفسه على مصداقية النموذج أكاديميًا.
7) التميّز القائم على الأثر: من التصنيفات إلى القيمة القابلة للقياس
لم يعد التميّز في التعليم العالي يُقاس بالتصنيفات الأكاديمية التقليدية وحدها، بل بقدرة الجامعة على إثبات أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد والبيئة. هذا التحوّل يعكس وعيًا متزايدًا بأن جودة التعليم لا تنفصل عن نتائجه الواقعية، سواء على مستوى البحث التطبيقي، أو تمكين الطلبة، أو الإسهام في أولويات التنمية الوطنية.
بالنسبة للجامعات العربية، يفتح هذا التوجّه مساحة استراتيجية لإعادة تعريف التميّز المؤسسي بعيدًا عن المنافسة الشكلية. وفي هذا الإطار، تُعد تجارب بحثية مثل تلك التي تقودها جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST) مثالًا على مؤسسات تربط البحث العلمي بتحديات بيئية وتنموية قابلة للقياس. ويعزّز هذا التوجّه أهمية توثيق المبادرات ذات الأثر الواضح، وربطها بالأولويات الوطنية، وبناء مؤشرات قابلة للقياس، ونشر تقارير أثر دورية تعزّز الشفافية والمساءلة.
كيف تستجيب جامعة عربية عمليًا في 120 يومًا؟
استنادًا إلى المحاور السابقة، لا يكتمل الحديث عن التحوّل دون ترجمة عملية له. وفيما يلي خطة تنفيذية أولية تمتد على 120مدار يومًا كنقطة انطلاق.
الأيام 1–30 | حوكمة الذكاء الاصطناعي
من الاستخدام التجريبي إلى إطار مؤسسي واضح
-
كوّن لجنة حوكمة متعددة الوظائف
-
صنّف حالات الاستخدام حسب المخاطر وفق EU AI Act
-
حدّد متطلبات الشفافية وإدارة البيانات والموافقة المستنيرة
الأيام 31–60 | نسيج بيانات مصغّر
من تقارير متفرّقة إلى مؤشرات قابلة للاستخدام
-
اربط SIS/LMS وبيانات الخريجين بطبقة دمج موحّدة
-
أنشئ قاموس بيانات مؤسسيًا وحوكمة وصول دقيقة
-
ابنِ لوحة مؤشرات تنفيذية: الاستبقاء، الإكمال، التقدم الوظيفي، استجابة المقررات
الأيام 61–90 | محفظة مهارات قصيرة
من الشهادة إلى المهارة القابلة للإثبات
-
صمّم 4 – 6 مسارات Micro-credentials قابلة للتراكم الفعال
-
طبّق الإطار الأوروبي للتعريف والوصف والاعتراف
-
اربط المؤشرات الرقمية بمهام عملية وتغذية راجعة من جهات توظيفية
الأيام 91–120 | لوحة "القيمة مقابل المال"
من الانطباعات إلى النتائج القابلة للقياس
-
اعتمد مؤشرات داخلية مستلهمة من OfS B3 وGainful Employment
-
قِس: المواظبة، الإكمال، التوظيف بعد 12 شهرًا، متوسط الدخل
-
اتخذ قرارات برامجية مبنية على الدليل (إيقاف/تطوير/دمج)
ملاحظة عملية: في الدمج والحوكمة وبناء لوحات المؤشرات، تحتاج المؤسسات أحيانًا إلى شريك إقليمي خبير في التعليم العالي والتكامل والامتثال. هنا تبرز قيمة التعاون مع مزوّدين متخصصين—ومنهم نسيج للتقنية—بوصفهم شركاء تمكين للتحوّل المؤسسي.
عام 2026 ليس محطة عابرة. الجامعات التي ستتزعم المشهد هي التي تحوّل العناوين الكبرى إلى منظومات مُحكَمة ومدعومة بالأدلة، وليس المهم أن نفعل كل شيء دفعة واحدة؛ المهم أن نبدأ بما هو صحيح أولًا، ونُثبت القيمة، ثم نتوسّع بثقة.